التفكير الاستراتيجي في عالم سريع التغيّر.

بقلم / البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي
أستاذ جامعي سابق في علم البيولوجي..
مستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي والقيادة.
أهداني أحد الأصدقاء كتابًا بعنوان Chaos: Making a New Science ( نظرية الفوضى) للكاتب الأمريكي James Gleick. كان كتابًا عميقًا، احتجت إلى إعادة قراءته أكثر من مرة لفهم فكرته الأساسية. وأكثر ما شدّني فيه أن ما يُسمّى بـ”الفوضى” لا يعني غياب النظام، بل يشير إلى وجود نظام دقيق ومعقّد يفوق قدرتنا الكاملة على التنبؤ به.
ومن هنا بدأت الأسئلة تتوارد:
هل العالم يسير وفق نظام يمكن توقع نتائجه بدقة كاملة؟؟ أم أنه عالم مليء بالمفاجآت رغم خضوعه لقوانين ثابتة؟
ولماذا تفشل أحياناً خطط استراتيجية وضعت بعناية، رغم اعتمادها على بيانات دقيقة وتوقعات مدروسة؟
هذه الأسئلة لم تعد مجرد تأملات فلسفية، بل أصبحت في صميم النقاش العلمي والإداري المعاصر.
لفترة طويلة تأثر التفكير العلمي بالنموذج الذي ارتبط بالعالم الإنجليزي إسحاق نيوتن، حيث ساد الاعتقاد بأن الكون يعمل كآلة دقيقة؛ إذا عرفنا قوانينها أمكننا التنبؤ بحركتها بدقة كبيرة. أي أن كل سبب يؤدي إلى نتيجة واضحة يمكن حسابها.
لكن في ستينيات القرن الماضي، اكتشف عالم الأرصاد الجوية Edward Lorenz أمراً مهماً: بعض الأنظمة – كالطقس مثلاً – تخضع لقوانين دقيقة، ومع ذلك فإن تغيراً بسيطاً جداً في البداية قد يؤدي إلى نتائج مختلفة تماماً في النهاية. وهكذا ظهر ما عُرف بـ“تأثير الفراشة”.
المقصود هنا ليس أن العالم بلا نظام، بل أن وجود القانون لا يعني القدرة على التنبؤ بكل شيء. فهناك حدود لعلم الإنسان، مهما تقدم في المعرفة والثقافة.
وهذا الفهم لا يتعارض مع الرؤية الإسلامية للكون، بل ينسجم معها. فالقرآن الكريم يؤكد أن الكون قائم على نظام محكم
﴿والسماء رفعها ووضع الميزان﴾ ، ﴿ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت﴾.
وفي الوقت نفسه يذكّر الإنسان بحدود معرفته: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً﴾
إذن نحن أمام سنن كونية ثابتة، لكن الإحاطة الكاملة بتفاصيلها ليست في متناول عقول البشر.
ومن هنا يظهر المعنى العميق في الشريعة الإسلامية آلا وهو الأخذ بالأسباب دون ادعاء السيطرة المطلقة على النتائج. نحن مأمورون بالتخطيط والسعي وبذل الجهد، ولكننا لسنا عالمين بالغيب:
﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله﴾
وعند إسقاط هذا الفهم مثلاً :على المؤسسات والشركات والجامعات اليوم، نجد أنها تعمل في بيئات شديدة التعقيد في سباق مع تطور تقني متسارع، وتغيرات في سوق العمل، تقلبات اقتصادية، وتحولات اجتماعية وثقافية. لم يعد من الواقعية أن نبني الخطط على افتراض أن الظروف ستبقى ثابتة.
فقرار إداري بسيط على سبيل المثال : كتغيير سياسة قبول، أو اعتماد نظام تقني جديد قد يُحدث آثاراً واسعة لم تكن في الحسبان.
لذلك فإن إدارة هذا التعقيد لا تعني الاستسلام له بل تعني أن نقوم بتطوير أسلوب تخطيط مختلف يقوم على:
• المرونة بدل الجمود
• إعداد بدائل خطط متعددة بدل الاكتفاء بخطة واحدة
• المتابعة المستمرة للمؤشرات
• سرعة التكيف عند ظهور متغيرات جديدة.
. مرونة في التصحيح أو التحسين المستمر.
ومن أهم الدروس التي يمكن الاستفادة منها هنا ما يمكن أن نسميه “التواضع المعرفي”. فمهما بلغت دقة البيانات، تبقى هناك مساحة من الغموض ،وهذا الإدراك لا يضعف القيادة، بل يجعلها أكثر نضجاً وواقعية، لأنها تبني مؤسسات تتعلم باستمرار، وتراجع قراراتها عند الحاجة.
وهذا المعنى راسخ ولله الحمد في عقيدتنا، إذ يقول الله تعالى:
﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾
العلم يكشف لنا كيف تسير الأمور، أما الشريعة فترشدنا إلى الغاية والمعنى. وبينهما مساحة تكامل لا صراع.
وفي عالم سريع التغير لا يكفي أن نمتلك أدوات التحليل بل نحتاج إلى وعي بحدود هذه الأدوات. ولا يكفي أن نؤمن بوجود أنظمة ثابتة، بل يجب أن نحسن قراءتها ونفهمها بعناية ووعي..
فوراء التعقيد نظام، ووراء النظام حكمة.
والتخطيط الحقيقي ليس ادعاء لليقين المطلق، بل إدارة واعية للممكن، في ظل أنظمة كونية ثابتة، وإرادة إلهية نافذة وسبحان الله الخالق والعالم ببواطن الأمور..



