سلامُ النفس في زمن الضجيج

✍🏻 : إسماعيل محمد الفقيه
أصبحت الراحة النفسية عملةً نادرة لا ينالها إلا من أحسن التعامل مع الناس بوعيٍ واتزان . فالحكمة الحقيقية لا تكمن في الرد على كل ما يُقال ، ولا في الوقوف عند كل تصرّف ، بل في معرفة ما يستحق التوقف ، وما يجدر تجاوزه بصمتٍ هادئ .
إن التعامل مع الناس كما تُتصفَّح الكتب فلسفةٌ راقية تُخفّف عن الإنسان كثيرًا من أثقال الحياة ؛ فكما لا نقف عند كل صفحة ، ولا نحفظ كل سطر ، كذلك لا ينبغي أن نحمل كل موقف ، أو نُثقِل ذاكرتنا بكل تصرّف عابر .
في الناس جمالٌ يستحق التقدير ، وصفحاتٌ تُقرأ بإعجاب ، وسطورٌ يُكتفى بمرورها مرور الكرام ، وأخرى يُغلق عندها الكتاب دون أسف .
وليس كل ما يُقال جوابه الرد ، ولا كل ما يحدث يستحق الوقوف ؛ فبعض المواقف يليق بها الصمت ، وبعضها يتركه العاقل لمرور الزمن ، وبعضها يكفيه أن نمرّ عليه مرور الكرام دون أن نُثقِل به قلوبنا أو أوقاتنا .
إن تجاهل الجهل ليس ضعفًا كما يُصوَّر أحيانًا ، بل نضجٌ يختاره من أدرك أن الوقت أثمن من أن يُهدر في سجالٍ عقيم ، وأن الكرامة أعلى من أن تُستنزف في مجاراة السخف .
كما أن الصفح عن التفاهات لا يعني قبولها ، بل هو إعلانٌ صامت عن سموّ النفس واتساع الأفق .
وقد أدرك العقلاء أن صفاء القلب نعمة عظيمة ، وأن من صفا قلبه خفَّت عليه أعباء الحياة ، فاختار العفو خلقًا ، والتجاوز طريقًا ، مستضيئًا بقيمٍ تدعو إلى الحلم وحسن الظن وسلامة الصدر .
إن الوقوف عند الجمال ، والإشادة به ، ومنح التقدير لمن يستحقه ، هو ما يُنعش الروح ويُعيد التوازن للحياة .
أما الانشغال بكل عابرٍ ومستفز ، فلا يجلب سوى الإرهاق والتوتر واستنزاف المشاعر .
وفي خضم هذا الواقع المتشابك ، تبقى الراحة قرارًا شخصيًا لا يُفرض ، وفنًا لا يتقنه إلا من تعلّم أن ينتقي معاركه ، وأن يجعل من التجاوز خلقًا ، ومن الصمت حكمة ، ومن السلام الداخلي أولويةً لا تُساوَم .
فالعاقل لا يسعى أن ينتصر في كل جدال ، بل يسعى أن يبقى قلبه سليمًا وعقله مطمئنًا ؛ لأن أعظم الانتصارات في هذه الحياة أن يعيش الإنسان بسلامٍ مع نفسه ، وأن يمضي في طريقه خفيف القلب ، واسع الأفق ، لا يحمل من الأعباء إلا ما يستحق أن يُحمل .



