العيد والفرح المؤجل
عدنان العمري / باحث تاريخي
العيد حالة فرحٍ عامّة تجتاح النفوس عقب انقضاء شعيرة دينية، تتكثف فيها معاني البهجة والتواصل والتجدد. غير أنّ بعض النفوس تميل إلى استحضار الحزن في هذا اليوم، وكأنها تعكس ذهنية ترى الفرح حكرًا على الطفولة، لا يليق بمرحلة النضج ومسؤولياتها. ولعل استدعاء قول أبي الطيب المتنبي: (عيدٌ بأيّ حالٍ عدتَ يا عيدُ) يكشف عن هذا التوتر الكامن بين الفرح المفترض والواقع المعاش، حيث يتحول العيد من مناسبة احتفال إلى مرآة تعكس ما في الداخل من شعور مضطرب أو ناقص.
تنشأ هذه الظاهرة من وعيٍ يميل إلى المقارنة الدائمة بين المثال والواقع؛ فالعيد لا يُعاش بوصفه لحظة زمنية عابرة، بل بوصفه معيارًا تُقاس عليه الأحوال. ومن هنا، فإن أي فجوة بين الصورة المثالية للفرح والواقع المعيش تُستدعى فورًا، فيتحول الفرح إلى لحظة مراجعة داخلية، تُستحضر فيها الخسارات قبل المسرّات. غير أن هذا التوتر لا يقف عند حدود المقارنة، بل يتعمق بفعل التجربة الشخصية وما تخلّفه من آثار نفسية ممتدة.
فالخيبات التي يتعرض لها الإنسان لا تنقضي بانتهاء لحظاتها، بل تتراكم في داخله وتستقر حتى تغدو جزءًا من بنيته الشعورية؛ إذ تتراكم تلك الخيبات وتستوطن جوانحه، فينشأ عنها خوفٌ كامن من أن تعقب لحظات الفرحَ نكسةٌ أو خيبة جديدة. ومن هنا تتشكّل حالة مركّبة، لا يقتصر فيها الحزن على استرجاع الماضي، بل يمتد إلى استشراف المستقبل بقلق، حيث تتحول لحظة الفرح ذاتها إلى موضع حذر وترقّب، وتُعاش مصحوبة بهواجس الانكسار. فالفرح، في هذا التصور، ليس حالة مطلقة أو مستقرة، بل لحظة هشّة قابلة للزوال، يُنظر إليها بشيء من التوجس.
ولأن الفرح في جوهره طابعٌ جماعي يكتمل بالمشاركة والاندماج، فإن أي خلل في هذا النسق-كالفقد، أو القطيعة، أو العزلة- يجعل التجربة ناقصة، ويعزز حضور الحزن بوصفه نتيجة لفقدان شرط من شروط اكتمالها.
وأخيرا على الإنسان أن يعيش لحظاته كما هي، وأن يمنح نفسه حق الفرح دون تردد أو تحفظ؛ فالحياة لا تُعاش مرتين فاستمتعوا بأعيادكم، وارتشفوا أفراحكم حتى آخر قطرة، كما ترتشفون قهوتكم، بوعيٍ حاضر وقلبٍ مطمئن.



