أوراق للطفولة

ليلى سعد القحطاني✍🏻🦋
في “أوراق للطفولة”،
لا نحكي عن الطفل فقط…
بل نحاول أن نفهم ما لا يقوله
الذكريات
ماذا لو كبر أطفالنا يومًا…
ولم يجدوا ما يتذكرونه؟
في إحدى الزيارات، لفتتني عبارة قالتها سيدة بهدوء، وهي تراقب ابنتها وأحفادها يدخلون المكان، كلٌ منهم يحمل جهازه بين يديه. مرّ الوقت، الأصوات خافتة، والحركة قليلة… ثم قالت، وكأنها تحدث نفسها:
“أين هي ذكريات هؤلاء الأطفال؟ ماذا سيبقى لهم من هذه الأيام؟ هل ستكون مجرد مسلسلات كرتونية ومقاطع يوتيوب؟ وهل سيتذكرني أحدهم يومًا ويقول: قالت جدتي…؟ سمعتُ جدتي ؟”
لم يكن في صوتها شكوى، ولا نقد مباشر، بل كان خوفًا صغيرًا… صادقًا…من أن تمضي الطفولة، دون أن تُعاش حقًا.
نحن نخاف على أطفالنا من أشياء كثيرة:
من السقوط، من المرض، من الفشل… لكننا نادرًا ما نخاف عليهم من شيء أكثر هدوءًا… وأكثر عمقًا وهو أن تمضي حياتهم… بلا أثر، حياة ممتلئة بالانشغال، لكنها خالية من الذكرى.
فالطفولة لا تُقاس بعدد الساعات التي يقضيها الطفل هادئًا أمام شاشة، ولا بعدد ما يشاهده من مقاطع، بل تُقاس بما يبقى منها… بعد أن تمر،، بضحكةٍ علقت في ذاكرته، بلعبةٍ اتسخت منها يداه، بقصةٍ عاشها… لا شاهدها، وبلحظةٍ شعر فيها أنه جزء من الحياة، لا مجرد متفرج عليها.
المشكلة ليست في المسلسلات، ولا في المقاطع، بل في أن تتحول إلى “الحياة البديلة”.
أن تصبح الأيام متشابهة، والذكريات متكررة، وكأنها لا تخص هذا الطفل… بل يمكن أن تخص أي طفل آخر.
الطفل لا يحتاج إلى وقتٍ ممتلئ…بل إلى وقتٍ حيّ.
وقتٍ يركض فيه دون خطة، يجرّب، يخطئ، يضحك بصوت عالٍ، يسأل أسئلة لا إجابات جاهزة لها ،،وقتٍ لا يمرّ عليه…بل يمرّ بداخله.
نحن لا نصنع ذكريات أطفالنا بالأشياء الكبيرة فقط، بل بتفاصيل نظنها عابرة:
جلسة عائلية بلا هواتف، حكاية قبل النوم، مشاركة بسيطة في إعداد شيء ما، نزهة قصيرة بلا هدف… سوى أن نكون معًا.
هذه اللحظات، رغم بساطتها، هي ما يبقى طويلًا…وهي ما يصنع داخل الطفل شعورًا عميقًا بأنه عاش، لا أنه مرّ مرورًا.
أطفال الأمس…….أطفال الألفية الذين كبروا اليوم، هل يحملون في داخلهم ذكريات حقيقية؟
هل هناك أماكن ما زالت تنبض في ذاكرتهم، كانوا يتلهفون للوصول إليها… وإن مروا بها اليوم،هل سترتسم بسمة … ويغمر قلبهم الحنين؟
أم أن كثيرًا من أيام طفولتهم مرّ… دون أن يترك أثرًا يُروى؟
ربما علينا أن نتوقف قليلًا، ونسأل أنفسنا: هل ما نمنحه لأطفالنا يملأ وقتهم…أم يملأ ذاكرتهم؟
تلك الجدة لم تكن ترفض ما يشاهده الأطفال، بل كانت تخشى أن يصبح كل ما يعيشونه… قابلًا للنسيان.
فالطفولة لا تحتاج إلى أن تُملأ… بل إلى أن تُعاش،حياة، حين يكبر الطفل، لا يقول عنها: “كنت أشاهد…”
بل يقول: “كنت أعيش.” لأن الطفولة لا تُنسى…بل تُحكى .



