مقالات و رأي

الكتابة بين الإلهام والتخطيط: كيف نحافظ على استمراريتها؟

بقلم: بروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي.
أستاذ علم البيولوجيا ومستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي والقيادة..

في كثير من الأحيان، يكون الشغف بالكتابة حالة نابضة في داخل الإنسان؛ توقظه الأحداث، وتحركه القصص فتفيض مشاعره على الورق كلمات حية.
يمسك الكاتب قلمه وكأنه يمسك بخيط خفي يصل قلبه بالعالم فيكتب ليعبر وليفهم وليمنح ما بداخله شكلاً ومعنى. تصبح الكتابة لديه مساحة للبوح ومرآة يرى فيها ذاته بوضوح أكبر، وربما وسيلة لتخفيف ما يثقلنا حين نعجز عن قوله.

لكن المشكلة أن هذا الشغف لا يسير على وتيرة واحدة.. إذ تمر لحظات يشعر فيها الكاتب بجمود غريب كأن الشغف الذي خفَتَ، يستجمع نوره ليعود أبهى.. تتباطأ الأفكار، وتخفت الرغبة في الكتابة ويبدو أن الكلمات قد تفرقت ولم تعد تتجمع كما كانت. يجلس أمام الورقة أو الشاشة، منتظراً شرارة البدء، لكنها لا تأتي تجلس أمام الورقة أو الشاشة، وأحياناً يراودني أن أستعين بمسؤول النشر في الصحيفة، الأستاذ شعبان توكل، ليدلّي على موضوع أكتب فيه لكنني سرعان ما أتراجع إذ لا أكتب إلا ما أشعر به..

في تلك اللحظات، لا يكون التوقف ضعفاً، بل حاجة للتأمل، لإعادة ترتيب الداخل، ولمنح النفس مساحة من الصمت والتامل. فكما تحتاج الأرض إلى سكونٍ قبل أن تُزهر يحتاج الكاتب إلى فترات من الهدوء ليستعيد صفاءه. قد تبدو هذه الفترات ثقيلة، لكنها في حقيقتها جزء من دورة الإبداع حيث تنضج الأفكار في الخفاء قبل أن ترى النور.
ومع ذلك يراودني سؤالاً عمليا: هل يمكن التعامل مع الكتابة بعقلية التخطيط الإستراتيجي ؟ بمعنى هل من الممكن أن يستخدم الكاتب خبراته في التخطيط والتنظيم والقيادة التنفيذية ليضع لنفسه خطة استراتيجية، بأهداف واضحة وقابلة للتنفيذ تجعل لحظات التفكير والبدء في الكتابة أكثر سهولة ويسرًا؟؟

الإجابة ليست بسيطة تماماً، لكنها ممكنة. فالكتابة رغم كونها فعلاً شعورياً يمكن أن تستفيد من بعض أدوات الانضباط. تحديد أوقات مخصصة للكتابة، ووضع أهداف صغيرة قابلة للتحقيق وبناء عادات يومية —even لو كانت بضع دقائق فقط — كل ذلك قد يهيّئ البيئة المناسبة لعودة التدفق.. ليست الفكرة في تحويل الكتابة إلى مهمة جامدة جافة بل في خلق مساحة منتظمة تتيح للإلهام أن يجد طريقه.
ومع ذلك ينبغي الحذر من الإفراط في الصرامة. فالإبداع بطبيعته لا يخضع بالكامل للقوالب وإذا تم الضغط عليه أكثر مما ينبغي، قد يتحول إلى عبء بدل أن يكون متنفساً.
التوازن هنا هو المفتاح:
بين الانضباط والمرونة، وبين التخطيط وترك المجال للعفوية.

يبقى السؤال الأهم: هل يعاني الكُتّاب جميعاً من هذه الحالة؟ أم أنها تجربة فردية عابرة؟

في الواقع وحسب خبرتي هذه الحالة تكاد تكون مشتركة بين معظم من يكتبون. ما يُعرف أحياناً بـ”جفاف الكتابة” ليس دليلاً على فقدان الموهبة بل جزء طبيعي من الرحلة. مر بها كُتّاب كبار، وعاشوا لحظات شك مشابهة، لكنهم عادوا وكتبوا من جديد، وربما بعمق أكبر.

إنها ليست استراحة عابرة أو ربما مرحلة انتقالية نحو مستوى أكثر نضجاً. فالكلمات لا تختفي، بل تتوارى قليلاً، لتعود حين يجد الكاتب إيقاعه من جديد.. وحينها، يدرك أن الصمت الذي مرّ به لم يكن فراغاً، بل كان امتلاء من نوع آخر ينتظر اللحظة المناسبة ليُقال ويُسطر في حروف نابضة بالحياة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى