مقالات و رأي

احتضار البوليفاردات والمولات

بقلم الكاتب / أحمد القاري
المدينة المنورة

في كثيرٍ من المدن الحديثة تولدُ الأسواق والمولات والبوليفاردات ولادةً صاخبة؛ افتتاحٌ مهيب، أضواءٌ متلألئة، مشاهير، عروض مذهلة، ازدحامٌ خانق، ووعودٌ بأن المكان سيكون “وجهة المدينة الجديدة” ، ثم لا تمضي أشهرٌ أو سنواتٌ قليلة حتى يبدأ الوهج بالخفوت، وتبدأ المحلات بالإغلاق الواحد تلو الآخر، وتخبو الأنوار شيئاً فشيئاً، ويغادر المستثمرون بصمت، حتى يتحول المكان الذي كان يعجُّ بالحياة إلى فراغٍ موحشٍ لا يُسمع فيه إلا صدى الخطوات وصوت الرياح وأناشيد صراصير الليل.

هذه الظاهرة أصبحت مشهداً متكرراً يلفت النظر ويطرح سؤالاً كبيراً: لماذا تموت بعض الأسواق سريعاً رغم ضخامة تكلفتها وجمال تصميمها؟
الحقيقة أن كثيراً من المشاريع التجارية اليوم تُبنى بعقلية “الإبهار المؤقت” لا بعقلية “الاستدامة” ، فتُصرف الملايين على الرخام والديكورات والشاشات والإعلانات، بينما يُهمل العنصر الأهم : (الإنسان) ! فالناس لا تعود إلى المكان لبهائه فقط، بل لشعورهم فيه بالحياة، والراحة، والتجدد، والجدوى.

ومن أبرز أسباب الهروب الجماعي من بعض المولات والأسواق أن كثيراً منها تتشابه بصورة مكررة؛ نفس المقاهي، نفس المطاعم، نفس العلامات التجارية، حتى أصبح الزائر يشعر أنه يدخل النسخة ذاتها في كل مكان، ومع تكرار التجربة يفقد السوق هويته الخاصة، فلا يعود لدى الناس سبب حقيقي للعودة.
كما أن الإيجارات المرتفعة تُعدُّ من أكبر أسباب انهيار الأسواق التجارية، لأن المستثمر الصغير يدخل بحماس، ثم يكتشف أن الإيراد لا يغطي التكاليف، وأن الإدارة لا ترى فيه شريكَ نجاح بل تراه “محفظة استثمارية” ، فيغلق متجره ويرحل، ويبدأ مسلسل الفراغ، وكل محل مغلق يُرسل رسالة “نفسية” سلبية للزائر بأن المكان يحتضر، فيتناقص الحضور أكثر فأكثر.

ومن الأخطاء القاتلة أيضاً غياب الروح “روح المكان” ! .. فبعض البوليفاردات تبدو فاخرة جداً لكنها باردة المشاعر؛ لا فعاليات، لا ثقافة، لا أنشطة اجتماعية، لا شيء يربط الناس بالمكان سوى الاستهلاك المؤقت.. والمكان الذي لا يصنع ذاكرة للناس ينسونه سريعاً.

ولا يمكن إغفال تغير سلوك المجتمع.. فاليوم أصبح الناس أكثر انتقائية؛ المنافسة لم تعد بين مول ومول فقط، بل بين المول وبين الهاتف المحمول أيضاً، فكثير من الناس صار يفضّل التسوق الإلكتروني، أو يبحث عن تجربة مختصرة ومريحة، لا عن مشوار طويل ينتهي بمواقف مزدحمة وأسعار مرتفعة وتجربة مكررة.

ومن الضروري على ملاك الأسواق فهمه، هو أن نجاح السوق ليس بعدد المحلات عند الافتتاح، بل بعدد المحلات التي تستمر بعد خمس سنوات.. وهذا يتطلب تغيير الفكر الإداري من “تحصيل الإيجار” إلى “صناعة مجتمع تجاري حي”.
يجب دعم المستثمرين الصغار لا استنزافهم، وتقديم تسهيلات حقيقية في السنوات الأولى، وإعادة النظر في الإيجارات المبالغ فيها، لأن المحل الناجح الذي يبقى سنوات أفضل من محل فاخر يغلق بعد أشهر.
كما ينبغي أن يكون لكل سوق “هوية” مختلفة؛ سوق للفنون، وآخر للعائلات، وآخر للشباب، وآخر للتراث، وآخر للمشاريع المحلية. فالتميّز أصبح ضرورة.

ولعلي أضيف بعض الأفكار المهمة أيضاً لإنجاح الاستثمار :
– إقامة فعاليات أسبوعية مستمرة غير موسمية.
– دعم الأسر المنتجة ورواد الأعمال المحليين.
– تخصيص مساحات للفنون والحرف والمعارض الثقافية.
– صناعة زوايا تصوير جذابة تخلق انتشاراً رقمياً مجانياً.
– تحسين تجربة الزائر من المواقف وحتى دورات المياه.
– بناء ولاء حقيقي للعملاء عبر برامج عضوية ومكافآت.
– الاهتمام بالأطفال والعائلات لأنهم عنصر الاستدامة الأهم.
– إدخال عناصر الطبيعة والظل والجلسات المريحة بدلاً من الطابع الإسمنتي الجاف.

والأهم من ذلك كله: أن يشعر الزائر بأن المكان “يتجدد” ، فالناس تهجر المكان حين يصبح متوقعاً ومكرراً ومنسوخاً من غيره.

والمدينة المنورة – على وجه الخصوص – مدينة روحانية وإنسانية وتاريخية، والأنسنة فيها ماضية على قدم وساق، والزائر فيها يبحث عن معنى وتجربة وشعور، لذلك فإن نجاح أي سوق فيها يجب أن يقوم على فهم روح المدينة وسكانها وزوارها، وليس على تقليد مشاريع من مدن أخرى تختلف في المزاج والحياة.
ومن الجدير بالذكر أن “أنسنة المكان يجب أن ترافقها أخلقة الإنسان” أي تحسين أخلاق الإنسان ليتكيف مع هذه الأنسنة.

وفي النهاية، فإن الأسواق لا تحتضر بسبب ضيق اليد والضغوطات المالية فحسب، بل بسبب غياب الرؤية. فالمباني يمكن أن تُشيَّد في أشهر، لكن “الروح” التي تمنح المكان أنسنةً لا تُشترى بالرخام ولا بالإضاءة.
وحين يغيب الإنسان عن حسابات المستثمر ، لا يبقى في آخر الليل سوى المحلات المغلقة، والواجهات المعتمة، ومعزوفات الجنادب التي تعلن نهاية الحكاية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى