العلوم والتكنولوجيا

“النظريات العلمية بين الابداع والابتكار”

أ.د. احمد الخماش الزهراني
استاذ الرياضيات متقاعد من جامعة ام القرى
عميد كلية العلوم بالجامعة سابقا

خـلَق َ اللهُ الإنـسانَ فـي أحـسن تـقويـم. ورزقـه نـعمة الـعقل والإدراك كـأداة لـلتمييز، والـتفكّر، والـفهم والـتدبّـر ومـناط ٍ لـلتكليف، واسـتخلفه ، وارشــده الــى الاســتخدام الــصحيح لــلحواس والــعقل فــي اكــتساب فــي الارض “وَ إِذۡ قَــال َ رَبُّــك َ لِلۡملَٰٓئِكَةِ إِنِّــي جــاعِــلٞ فِــي ٱلأرۡض ِ خَــلِيفَةٗۖ” وَاللهَُّ أَخْــرَجــكُم مِّــن بُــطُون ِ أُمَّــهَاتِــكُمْ لا َ تَــعْلَمونَ شـيْئًا .

الــعلم والمــهارات المــختلفة لــلقيام بــما يســتلزمــه ذلــك الاســتخلاف مــن عــبادة وإعــمار” وَجــعَل َ لَــكُمُ الــسمعَ وَالأبْــصارَ وَالأفْــئِدَةَ ۙ لَــعَلَّكُمْ تَــشكُرُونَ”.

ويــتفاوت البشــر فــي قــدراتــهم ومــهاراتــهم الــعقلية كــما يــتفاوتــون فــي حسن اسـتثمارهـا وتـسخيرهـا. والابـداع والابـتكار مـهارتـان عـقليتان تـسهمان فـي الـتميّز وجـودة الأداء سـواءً عـلى مسـتوى الافـراد او المـؤسـسات؛ فـالابـداع هـو الـقدرة عـلى خـلق أفـكار جـديـدة أصـلية غـير تـقليديـة تـعتمد غـالـباً عـلى الـخيال و الـتفكير خـارج الـصندوق وقـد لا تـبدو لـلوهـلة الأولـى قـابـلة لـلتطبيق بـل قـد لا تُـعدّ اضـافـة مـعرفـية او ذات قـيمة عـلمية، وربـما يـصدُّ عـنها بـعض الـباحـثين و الـعلماء لـقصورٍ لـديـهم فـي اســتيعابــها او لجهــلهم بــمآلاتــها، امــا الابــتكار فــهو الــقدرة عــلى تــطبيق الأفــكار الإبــداعــية بــطريــقة تــنتج قــيمة واقــعية حــقيقية مــلموســة اقــتصاديــة، اجــتماعــية، عــملية… إلــخ.

والابــداع يُــعَدُّ مــقدمــة الابــتكار وشــرارتــه الأولــى الــتي يســتمدُّ مــنها وهَــجه ويــبني عــليها نــموذجــه
التطبيقي سواءً في مجال الأعمال او التقنية.
وكـما يـتبايـن الأفـراد فـي قـدراتـهم الابـداعـية والابـتكاريـة فـإن المـجتمعات الـعلمية كـذلـك تـتبايـن فـي تـلك الـقدرات فـهناك مـجتمعات مُـلهمة ومــحفزة عــلى الابــداع لــكنها لا تُــحسن اســتثمار الأفــكار الابــداعــية وتــحويــلها الــى ابــتكارات امــا لــعدم تــقديــر الــقيمة الــحقيقية لــلفكرة الابـداعـية او لـعدم الـقدرة عـلى الـتنبؤ بـأهـميتها.

وتـاريـخ تـطوّر الـعلوم الـنظريـة والـتطبيقية يـعجُّ بـكثير مـن الـشواهـد عـلى افـكارٍ ابـداعـية ولِـدت فـي مـجتمع عـلمي )ابـداعـي لـكنها لـم تـترعـرع فـيه إبـتكاريـاً نـتيجة لـسوء الـتقديـر او لـضعف الـتنبؤ بـأهـميتها ومـا أن تـوفـرت الـبيئة الابتكارية المناسبة لفهمها و تقديرها ورعايتها حتى أثمرت سلسلة من الابتكارات والتطبيقات الصناعية وبراءات الاختراع .
فـي الـنصف الـثانـي مـن الـقرن المـاضـي وتحـديـداً فـي الـعام 1965 وخـلال عـمله اسـتاذاً بـجامـعة بـيركـلي-كـالـيفورنـيا نشـر الـريـاضـي الأمـريـكي لـطفي زاده 1921-2017 فـي مجـلة المـعلومـات والـتحكّم، ورقـته الـعلمية – المجـموعـات الـفازيـة الـرمـاديـة(“Fuzzy Sets”- الـتي وضـعت الاسـاس الـنظري لـلمنطق الـفازي الـرمـادي Fuzzy Logic حـيث ضـمن تـلك الـورقـة تـعميماً لـلمنطق الـثنائـي الـتقليدي والمـنطق مـتعدد الـقيم مـن خـلال تـعريـفه لـلانـتماء الـتدرّجـي والـقيم الجـزئـية بـين 0 و 1 لـلدالـة الـرمـاديـة واوضـح مـن خـلال تـلك الـورقـة كـيف ان هـذا المـنطق يـمكنه الـتعامـل مـع الـتعابـير الـلغويـة الـغامـضة كـما يـمكنه الـتعبير عـن الـصفات النسـبية صـغير، كـبير، طـويـل ، قـصير ، غــني، فــقير، بــسيط، مــعقّد …( الــتي قــصر المــنطق الــتقليدي عــن مــعالــجتها

وبــالــرغــم مــن مــحاولات زاده خــلال 1973-1965 عــرض نـظريـته الـولـيدة عـلى الـوسـط الـعلمي وإقـناع الـعلماء بـأهـميتها والـترويـج لـها مـن خـلال الـندوات والمـؤتـمرات الـعلمية فـي الـولايـات المتحـدة واوربـا الا ان نـظريـته واجهـت صـدوداً قـاسـياً وتـشكيكاً مـحبِطاً مـن قـبل المـجتمع الـعلمي الـغربـي وخـاصـة الامـريـكي- الاوربـي وتـعامـل مـعه بـعض زمـلاءه الـباحـثين بـتنمرٍ مُـقلق ونـظروا لأفـكاره نـظرةً دونـية ونـعتوهـا بـنعوت ٍ قـاسـية، بـل أن الأبـحاث ذات الـصلة بهـذا المـوضـوع وُضعَت فـي عـام 1970 تـحت مجهـر الـتدقـيق مـن قـبل الـكونجـرس الامـريـكي لـلحكم عـلى مـدى اسـتحقاقـها لـدعـم الـحكومـة الأمـريـكية لـلابـحاث!، وأُعـتبرت ابـحاث زاده مـثالاً صـارخـاً عـلى هـدر الأمـوال الـحكومـية!!.

ومـع ذلـك اسـتمر زاده دون يـأس ٍ فـي إجـراء ابـحاثـه الـعلمية وتـطويـر نـظريـته والـقاء المـحاضـرات وحـضور المـؤتـمرات الـعلمية والـتواصـل الـعلمي مـع المـؤسـسات والـعلماء فـي الـعالـم لايـضاح الـثغرات
الـتي عـالـجها المـنطق الـرمـادي وابـعاده الـتطبيقية مـدفـوعـاً بـقناعـته بـأهـمية نـظريـته وبـأن الـضبابـية الـتي تـغلّف مـفاهـيم هـذه الـنظريـة تـجعلها اكـثر مـلائـمةً لـلتعبير عـن مـسائـل الـعالـم الـواقـعية، واسـتغرق الأمـر نـحو عشـريـن عـامًـا قـبل أن تحـظى تـلك الـنظريـة بـقبول واسـع لـدى المـجتمع الـعلمي.

ثـم الـتفت الـباحـثون الـيابـانـيون الـى نـظريـة زاده و مـصطلحه الابـداعـي “المجـموعـات الـرمـاديـة” فـي اوائـل السـبعينات مـن الـقرن المـاضـي مـدفـوعـين بـثقافـة مـجتمعهم الـصناعـي وتـنبأوا بـاهـميتها الـتطبيقية وقـدّروهـا فـعقدوا لـها المـؤتـمرات الـعلمية ونشـروا الاوراق الـعلمية وانـشأوا دوريـات مـتخصصة لنشـر الأبـحاث ذات الـصلة بـتطبيقاتـها، عـلى أن الاخـتراق الـعلمي الأكـبر لهـذه الـنظريـة فـي مـجال الـتطبيقات الـصناعـية بـدأ فـي مـطلع الـثمانـينات المـيلاديـة عـندمـا طـبق المـهندسـون والشـركـات الـيابـانـية المـنطق الـرمـادي بـشكل عـملي عـلى التحديات الهندسية من خلال التحكم غير الخطي التي عجز المنطق التقليدي الحدّي عن معالجتها.
وكـان مـن المـعالـم الـرئـيسية لـلتطبيقات الـهندسـية لـلمنطق الـرمـادي تـطبيقاتـه فـي مـجال كـفاءة الـنقل فـي شـبكات الـقطارات الارضـية )المـترو وصـناعـة الـغسالات والمـكانـس الكهـربـائـية ومـكيفات الـهواء وكـامـيرات الـفيديـو وافـران المـيكرويـف وآلات الـنسخ وأنـظمة الـسيارات الـفرامـل المــانــعة لــلانــغلاق ونــاقــل الحــركــة.

لــقد نــشأت المجــموعــات الــرمــاديــة كــفكرة ابــداعــية فــي الــولايــات المتحــدة الامــريــكية بــيدَ أن الابــتكارات الصناعية التي بُنيت عليها لم ترَ النور الا في مهجرها اليابان حيث توفرت لها البيئة الابتكارية اللازمة.
وبـعد؛ كـم يـا تُـرى مـن الافـكار الابـداعـية الـتي ربـما قـد وئـدت فـور ولادتـها والاعـلان عـنها امـا نـتيجة لـضعف تـقديـر الـباحـثين فـي المـحيط الـعلمي لأهـميتها او لـصدودهـم عـنها وتـنمرهـم او لـيأس اصـحابـها وتـراجـعهم؟؛ لا يـنبغي أن تسـتقل ّ افـكارك الابـداعـية وكـن عـلى ايـمان باهميتها واحرص على أن تصل الى من يقدّرها و يرعاها حق رعايتها.
وَالتِبرُ كَالتُرب ِ مُلقىً في أَماكِنِهِ
يقول الشافعي وَالعودُ في أَرض ِ نَوعٌ مِنَ الحطَب ِ

زر الذهاب إلى الأعلى