مقالات و رأي

تغريب الألفاظ العربية وأثره في طمس الهوية العربية

✍🏼 أحمد القاري

تُعَدُّ اللغة وعاءَ الفكر، وحافظةَ الهوية، والجسرَ الذي تنتقل عبره القيم والثقافات من جيل إلى جيل. وإذا كانت الأمم تُعرَف بتاريخها وحضارتها، فإنها تُعرَف كذلك بلغاتها التي تحمل ملامح شخصيتها وتُجسِّد خصوصيتها الحضارية.
ومن هنا يبرز خطرٌ متنامٍ يتمثل في تغريب الألفاظ العربية وإحلال المفردات الأجنبية محلها، حتى غدا هذا السلوك شائعاً في الخطاب اليومي، وفي وسائل التواصل الاجتماعي، وبعض منصات الإعلام، بل وفي بعض البيئات التعليمية والثقافية، حتى أصبح المرء يسمع في الحديث العربي كلماتٍ أجنبيةً مُقحَمةً في غير موضعها، مع وجود بدائل عربية فصيحة أبلغ معنى وأجمل لفظاً وأرسخ أثراً.. فبدلاً من استعمال الكلمات العربية الأصيلة، يُستعاض عنها بألفاظ وافدة لا ضرورة لها، حتى بدا الأمر وكأنه موضة اجتماعية أو مظهر من مظاهر الرقي والتحضر.
قضية حقيقية تتجاوز مجرد الألفاظ إلى سؤال الهوية والانتماء والوعي الثقافي.
والمفارقة أن بعض الناس يزخرف حديثه بكلمات أجنبية ظناً منه أنه يعلو بها مقاماً، بينما اللغة التي يفرّ منها هي إحدى أغنى لغات الأرض وأوسعها بياناً، كمن يملك جوهرةً ثمينةً ويتركها ليجمع قطع الزجاج الملون إعجاباً ببريقها.
ونشاهد هذا التغريب للألفاظ العربية في كثير من أبناء الجيل المعاصر في مزجهم الحديث العربي بالمفردات الأجنبية ويكأنه دليلٌ على الثقافة والانفتاح، أو علامة على المكانة الاجتماعية، بينما الحقيقة أن هذا السلوك لا يدل في كثير من الأحيان إلا على ضعف الصلة باللغة الأم، أو العجز عن استحضار مفرداتها، أو التأثر المفرط بالثقافات الأجنبية، فالثقافة الحقيقية لا تعني التخلي عن الهوية، والانفتاح لا يستلزم الذوبان في الآخر.

إن اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم، ولسان الوحي الذي نزل به جبريل عليه السلام على قلب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهي اللغة التي حملت تراث أمةٍ امتد أثرها قرونًا طويلة في ميادين العلم والأدب والفكر والحضارة، وقد شهد المنصفون من غير العرب بغناها واتساع معجمها وقدرتها الفائقة على التعبير الدقيق عن المعاني والأحاسيس والأفكار.

ولا شك أن هناك مساعي حثيثة إلى تغريب المجتمعات العربية لغوياً وثقافياً، سواء عن قصد أو غير قصد، من خلال الترويج المستمر للمصطلحات الأجنبية وإضعاف حضور البدائل العربية.
وفي المقابل؛ تقف مؤسساتٌ وجهات ذات مسؤولية -مشكورة- موقفاً مشرّفاً في سبيل التعريب والمحافظة على الهوية اللغوية، حيث عملت على استبدال كثير من المسميات الأجنبية بأسماء عربية فصيحة، فأعادت للغة حضورها وبهاءها، وأبدت زهوها، ورسّخت الانتماء الثقافي في النفوس، وأثبتت أن العربية قادرة على مواكبة العصر دون أن تتخلى عن أصالتها.

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في تعلم اللغات الأجنبية، فتعلمها ضرورة علمية وحضارية، وإنما يكمن في تحويلها إلى بديل عن العربية، أو في التهوين من شأن اللغة الأم، أو في غرس الشعور بأن الفصاحة العربية لا تليق بالعصر الحديث. فالأمم القوية تتعلم لغات العالم، لكنها لا تتنازل عن لغتها، ولا تسمح بإقصائها من حياتها العامة.

ومن هنا فإن المحافظة على العربية مسؤولية اللغويين، ومسؤولية الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والمؤسسات الثقافية، بل ومسؤولية كل فرد يعتز بانتمائه وهويته. فكل كلمة عربية تُبعث في موضعها الصحيح هي لبنة في بناء الهوية، وكل لفظ أجنبي يُقحَم بلا حاجة هو خطوة نحو تآكل ذلك البناء.

إن الأمة التي تفرّط في لغتها تفرّط في ذاكرتها، والأمة التي تحافظ على لسانها تحافظ على جذورها ومستقبلها معاً، وستبقى العربية، رغم ما يحيط بها من تحديات، لغةً شامخةً ما دام في الأمة من يؤمن بأنها وسيلة التخاطب الأسمى، وعنوان حضارة، وراية هوية، ولسان قرآنٍ تليدٍ لا يأتيه الباطل.
ولكي أنصف أيضاً.. فليس كلُ كلمةٍ أجنبيةٍ دخيلةً مذمومةً، فالمصطلحاتُ العلمية والطبية والتقنية المستحدثة لغة عالمية وقد تحتاج إلى التعريب أو الترجمة التدريجية. المشكلة لا تكمن في تعلُّم اللغات، بل في الاستعلاء على العربية أو استبدالها دون حاجة.. فالإنسان يستطيع أن يتقن الإنجليزية والصينية والفرنسية، ثم يعود إلى العربية مرفوع الرأس، لا معتذراً عنها كأنها عبءٌ من الماضي. فالشجرة لا ترتفع سمواً إلا إذا كانت جذورها أعمق، وهذه حقيقة تغيب عن كثير من عشاق “البرستيج اللغوي” الذين يستهلكون نصف الجملة بالعربية ونصفها الآخر بلغة أخرى، ثم يظنون أنهم فتحوا الأندلس من جديد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه “اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم “إن الاعتياد على التخاطب بغير العربية لغير حاجة هو أمر مكروه، كونه يُعد من التشبه بالأعاجم، وإن اللسان العربي من شعائر الإسلام، وإن اعتياد غيره يؤثر سلباً على الدين والعقل”.
كما قرر رحمه الله كراهة اعتياد الرطانة (وهو مذهب السلف قبله)، واعتياد اللغات الأجنبية (رطانة الأعاجم) في المعاملات والحديث، خاصة إذا كان ذلك من العرب، وهناك فرق بين الحاجة والتعود، فلا بأس بالتحدث بغير العربية عند الحاجة (كعدم فهم المخاطب للعربية)، أما اتخاذها عادة بدلاً من العربية فهو أمر مكروه.
وفي استبدال اللغة العربية بالعجمية تشبه بالأعاجم، ذكر ابن تيمية أن تغيير شعائر العرب (اللغة) من التشبه المنهي عنه، ونقل ذلك عن عمر بن الخطاب والإمام أحمد.
ولما له من تأثير على العقل والدين؛ نقل عن الشافعي ومالك كراهية تعمد التحدث بالعجمية لمن يعرف العربية، والطريق الحسن هو اعتياد الخطاب بالعربية ليكون أسهل في فقه معاني الكتاب والسنة.
قال ابن قتيبة الدينوري (ت 276هـ) في أدب الكاتب : “إن العربي هو من تحدث بالعربية وإن كان أعجمياً، والأعجمي من لم يتكلم العربية وإن كان قرشياً”.
إن اللغة العربية عروس اللغات، وتاج العظماء، وبُلغة الشعراء والأدباء، من أخذها أخذ بحظ وافر، ومن تركها سقط تاجه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى