الذكاء الاصطناعي … مسدس العصر الحديث

ا.عمرو عادل ياسين بسيوني
عضو هيئة التدريس بقسم الإعلام بجامعة أم القرى
إن الذكاء الاصطناعي اليوم يُعد من أكثر التقنيات تأثيرًا في حياة الإنسان، بعدما دخل في التعليم والعمل وحتى تفاصيل التواصل اليومي. وفي وطننا الغالي برز الاهتمام به بشكل كبير، حتى بات كثيرون يصفون هذه المرحلة بأنها “عام الذكاء الاصطناعي”، باعتباره ثورة تقنية ستغيّر شكل المستقبل وطريقة الوصول إلى المعرفة. ولا شك أن هذه التقنية قدّمت فوائد كبيرة، فقد اختصرت الوقت والجهد وسهّلت الوصول للمعلومة بشكل غير مسبوق. لكن في المقابل، بدأ الاعتماد المبالغ فيه عليه يصنع حالة من التساوي الظاهري بين المتعلم وغير المتعلم، وبين المثقف ومن لا يملك خلفية معرفية حقيقية، لأن أي شخص بات قادرًا على الحصول على إجابات وتحليلات وصياغات تبدو احترافية خلال ثوانٍ. وهذه الفكرة تشبه المقولة الشهيرة المنسوبة إلى مخترع المسدس الأمريكي Samuel Colt، حين قيل إن اختراع المسدس “جعل الجبان مساويًا للشجاع”، لأن الأداة اختصرت الفارق الذي كانت تصنعه المهارة. وكذلك الذكاء الاصطناعي اليوم، فهو يمنح القدرة حتى لمن لا يمتلك أدواتها الحقيقية أصلًا.
وعلى المستوى الشخصي، فوجئت أكثر من مرة أثناء تقديمي لمحاضرات علمية بأشخاص يطرحون أسئلة طويلة ومركبة بطريقة واضحة جدًا توحي بأنها مأخوذة بالكامل من الذكاء الاصطناعي، خصوصًا أنها تكون مليئة بالمصطلحات والتركيبات المعقدة التي تحتاج لقراءتها حتى تستطيع فهمها والإجابة عليها وعندما تطلب من الشخص الذي طرح التساؤل بأن يوضح فكرته من السؤال باختصار تجده يتلعثم وبدأ يتهرب منه، فيصبح مُحرجًا لأنه أراد الظهور دون علم أو حتى دون فهم التساؤل الذي قد طرحه. ولم يتوقف الأمر عند المحاضرات فقط، بل وصل حتى للأحاديث اليومية، فأصبح البعض يستخدم الذكاء الاصطناعي في كتابة رسائل الواتساب والردود العابرة ، وهناك من بدأ بكتابة مقالات صحفية وهو لا يتقن أصلًا أساسيات المقال الصحفي وطريقه نمطه ولا يعرف الفرق بينه وبين الكتابة غير الصحفية والتي هي أقرب لمذكرة تنظيمية أو عرض معلوماتي.
فما أود أن توضيحه عزيزي القارئ أن الإشكال لا يكمن في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في طريقة التعامل معه. فهو أداة نافعة ومهمة، لكن خطورته تبدأ حين يتحول إلى بديل عن التفكير لا مساعدًا له. فإذا لاحظت يومًا أنه بدأ يؤثر على لغتك أو يضعف قدرتك على التحليل والكتابة، فهنا ينبغي إعادة ضبط طريقة استخدامه واستعادة التوازن، وأن يكون استخدامك له جزئي وليس بالكلية ، بحيث يدعم مهاراتك ولا يلغيها، ويختصر الوقت دون أن يسحب منك جهد الفهم والتفكير. فلا ينبغي أن ترتبط قيمتك المعرفية بأداة قد تتوقف أو تنطفئ بانقطاع الشحن أو الإنترنت، لأن المهارة الحقيقية هي تلك التي تبقى مع الإنسان في كل الظروف، بعيدًا عن أي شاشة، وفي النهاية يبقى السؤال المطروح: هل يسهم الذكاء الاصطناعي في بناء معرفة حقيقية، أم أنه قد يخلق لدى البعض وهم المعرفة؟



