مقالات و رأي

في اليوم العالمي للصداقة… حين يختار القلب قلبًا

بقلم الكاتبة/ د. وسيلة محمود الحلبي

الأصدقاء الحقيقيون يأتون فيستقرون في أعماق الروح، حتى يصبح حضورهم جزءًا من طمأنينتنا، وغيابهم فراغًا لا تملؤه الأيام.
أولئك هم الهبة التي لا تُشترى، والنعمة التي لا تُقدَّر بثمن.

الصداقة ليست علاقة تجمع بين شخصين فحسب، بل هي ميثاق خفيّ تكتبه القلوب قبل أن تنطق به الكلمات. هي أن تجد من يفهم صمتك قبل حديثك، ويقرأ انكسارك خلف ابتسامتك، ويقتسم معك وجع الطريق دون أن يشعر أنه قدَّم فضلًا أو صنع معروفًا.

ما أجمل الصديق الذي يمنح ولا ينتظر، ويغفر ولا يُعاتب، ويستر قبل أن ينصح، ويقترب حين يبتعد الجميع. ذاك الذي يحمل قلبًا أبيض، لا يعرف الحسد، ولا تلوثه المنافسة، ولا تُفسده المصالح.

قلبٌ يرى في نجاح صديقه نجاحًا له، وفي سعادته عيدًا لقلبه، وفي ألمه مسؤوليةً يتقاسمها معه بمحبة وإيثار.
ولعل أجمل ما في الصداقة أنها تُعيد إلينا إيماننا بالإنسان.

ففي عالمٍ تتسارع فيه المصالح، وتذبل فيه العلاقات سريعًا، يبقى الصديق الوفي شاهدًا على أن الخير لا يزال يسكن القلوب، وأن النقاء لا يزال يجد له مكانًا بين ضجيج الحياة.

ليس الأصدقاء الحقيقيون أولئك الذين يملؤون أوقاتنا بالكلام، بل الذين يملؤون أعمارنا بالمعنى. هم الذين يمنحوننا القوة حين نتعب، والأمل حين تضيق بنا الدنيا، ويذكروننا بقيمتنا عندما تنال منا قسوة الأيام. إنهم المرافئ الآمنة التي ترسو عندها سفن أرواحنا بعد عناء الرحلة.

وفي اليوم العالمي للصداقة، لا نحتاج إلى احتفال صاخب، بل نحتاج إلى وقفة امتنان. إلى رسالة صادقة، ودعوة مخلصة في ظهر الغيب، واعتراف جميل بأن في حياتنا أرواحًا كانت سببًا بعد الله في تجاوز محطات كثيرة من الألم، وأن وجودها كان رحمةً، وعطاؤها كان نورًا، ومحبتها كانت وطنًا صغيرًا احتمت به قلوبنا.

اللهم احفظ لنا الأصدقاء الذين لم تغيّرهم الأيام، ولم تُبدّلهم الظروف، ولم تُغرهم الدنيا. أولئك الذين أحبونا بصدق، وأخلصوا لنا في الغيب قبل الحضور، وجعلوا من الوفاء خُلُقًا، ومن الإيثار رسالة، ومن المحبة طريقًا إلى الله.

كل عام والأصدقاء الصادقون بخير… فالعالم لا ينهض بالقوة وحدها، بل ينهض أيضًا بقلوبٍ تعرف كيف تُحب، وكيف تُؤثر، وكيف تبقى وفيةً مهما تغيّرت الفصول.

سفيرة الإعلام العربي
كاتبة ومستشار إعلامي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى