مقالات و رأي

مكر الثعالب أم غدر الضباع

أحمد القاري / المدينة المنورة

ما أشد وقع الخذلان حين يأتي ممن منحناه الثقة، وألبسناه من حسن الظن أجمل ثيابه، ثم اكتشفنا أن وراء الابتسامات وجهاً آخر لا يشبه ما عرفناه. فالطعن من العدو متوقع، أما الطعن من رفيق الود فجرحه أعمق وأوجع.

ولعل من المؤلم أن بعض الناس لا يملكون شجاعة المواجهة، فيستترون خلف كلمات الود والترحيب، بينما تضطرم في صدورهم نار الحسد أو الضغينة وكيل القذف في أعراض الناس، يبتسمون في وجوهنا، فإذا غبنا تناولونا بألسنتهم، فإذا حضرنا تزينوا بأقنعة المجاملة، وهذا خلق يتحلى به أراذل القوم، فكم من أدباء بلا أدب، وكم من شعراء بلا مشاعر .

الخسارة الحقيقية في بقائنا أسرى لخيبتهم، فمن خان العهد أسقط نفسه من مقام الثقة، ومن غدر لم يضر إلا مروءته، أما الصادق فلا يندم على صدقه ولا على إحسانه، لأن النبل خُلُق أصيل لا يتغير بسوء الآخرين.

وقديماً قال الإمام الشافعي:

إذا المرء لا يرعاك إلا تكلفاً
فدعه ولا تكثر عليه التأسفا

وقال المتنبي:

إذا أنت أكرمتَ الكريمَ ملكته
وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

فلا آسَف على من لم يكن أهلاً للثقة، بل أحمد الله أن كشف لي حقيقته قبل أن أمنحه من قلبي أكثر مما يستحق.
وبعض الناس لا تُعرف معادنهم إلا حين تتغير المصالح أو تغيب عن مجالسهم، وعندها يجهر الوعي بخزيهم وضآلة حجمهم برغم الضخامة، ويبقى الصادق صادقاً، ولو خانه ألف مخادع.

ولعل أجمل ما يقال في مثل هذه المواقف:

ليس كل من ابتسم لك أحبك، وليس كل من أثنى عليك صدقك، ولكن الأيام كفيلة بأن تسقط الأقنعة وتكشف الوجوه وتميز بين وجهِ الصديق ووجه المنافق.

واسمع إلى إحدى القصائد الخالدة للشاعر صالح بن عبدالقدوس أحد شعراء الدولة العباسية إذ قال :

لا تأمَنِ الدَّهـرَ الخؤونَ فإنـهُ
ما زالَ قِدْماً للرِّجالِ يُـؤدِّبُ

وابدأْ عَدوَّكَ بالتحيّةِ ولتَكُنْ
منهُ زمانَكَ خائفاً تترقَّبُ

واحذرهُ إن لاقيتَهُ مُتَبَسِّماً
فالليثُ يبدو نابُهُ إذْ يغْضَبُ

إنَّ العدوَّ وإنْ تقادَمَ عهدُهُ
فالحقدُ باقٍ في الصُّدورِ مُغَّيبُ

وإذا الصَّديقُ لقيتَهُ مُتملِّقاً
فهو العدوُّ وحقُّهُ يُتجنَّبُ

لا خيرَ في ودِّ امريءٍ مُتملِّقٍ
حُلوِ اللسانِ وقلبهُ يتلهَّبُ

يلقاكَ يحلفُ أنه بكَ واثقٌ
وإذا توارَى عنكَ فهوَ العقرَبُ

يُعطيكَ من طَرَفِ اللِّسانِ حلاوةً
ويَروغُ منكَ كما يروغُ الثّعلبُ

ودعِ الكَذوبَ فلا يكُنْ لكَ صاحباً
إنَّ الكذوبَ يشينُ حُراً يَصحبُ

واحذرْ مُصاحبةَ اللئيم فإنّهُ
يُعدي كما يُعدي الصحيحَ الأجربُ

كُنْ ما استطعتَ عن الأنامِ بمعزِلٍ
إنَّ الكثيرَ من الوَرَى لا يُصحبُ

وإذا رُميتَ من الزمانِ بريبةٍ
أو نالكَ الأمرُ الأشقُّ الأصعبُ

فاضرعْ لربّك إنه أدنى لمنْ
يدعوهُ من حبلِ الوريدِ وأقربُ

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى