مقالات و رأي

ليس كلُّ الراحلين غيابًا

عبد الله شراحيلي

ثمة أشخاص يغادرون المكان، لكنهم يبقون في الذاكرة كما يبقى العطر في ثوبٍ مرَّ عليه الربيع. يغيبون عن العيون، غير أن حضورهم يظلُّ نابضًا في تفاصيل الأيام، يطلُّ مع الصباح، ويجلس إلى جوارنا في هدوء المساء، ويوقظ في القلب حنينًا لا يعرف طريقًا إلى النهاية.
فالغياب الحقيقي ليس أن يفارقنا إنسان، وإنما أن يرحل أثره من أرواحنا. أما الذين زرعوا في دروبنا كلمةً طيبة، أو مسحوا عن قلوبنا وجعًا، أو منحونا لحظة صدقٍ لا تُنسى، فإنهم لا يرحلون أبدًا، بل يتحولون إلى صفحاتٍ مضيئة في كتاب العمر.
ولقد علمتنا الحياة أن العمر لا يُقاس بعدد السنوات، بل بعدد الذكريات الجميلة التي نصنعها، وعدد القلوب التي نلامسها بالمحبة والإحسان. فما أكثر من عاش طويلًا ولم يترك أثرًا، وما أقل من عاش سنواتٍ معدودة، لكنه بقي حيًّا في دعوات الناس ووفائهم.
إن أجمل ما يتركه الإنسان خلفه ليس مالًا ولا جاهًا، وإنما سيرةٌ طيبة إذا ذُكر اسمه تبسمت الوجوه، واطمأنت القلوب، وترحمت عليه الألسن. فالأعمال تفنى، والمناصب تزول، أما الأخلاق فتبقى شجرةً وارفة يستظل بها كل من عرف صاحبها.
فلنجعل من أيامنا رسائل محبة، ومن كلماتنا جسورًا للمودة، ومن أخلاقنا عنوانًا يسبق أسماءنا. فالدنيا تمضي سريعًا، ولا يبقى منها إلا ما صنعناه من خير، وما غرسناه من أمل، وما تركناه في القلوب من أثرٍ جميل.
وحين يأتي يوم الرحيل، لن يسأل الناس كم جمعنا، ولا كم ملكنا، بل سيتذكرون كيف عاملناهم، وكيف احتوينا ضعفهم، وكيف كنا نورًا في أيامهم. وتلك هي الحياة في أبهى صورها؛ أن تغيب الأجساد، ويبقى الأثر، وأن يرحل الإنسان، بينما تظل سيرته الطيبة تنبض بالحياة في قلوب من أحبوه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى