الحرب على إيران: كيف أدارت السرديات الصراع؟

بقلم/هيثم عبدالحميد
تتصاعد أهمية السرديات الإعلامية في النزاعات المعاصرة، حيث لم تعد الحروب تُحسم فقط في ميادين القتال، بل باتت تُدار في فضاءات الإعلام والاتصال، وتُخاض في عقول الجماهير قبل أن تُحسم على الأرض.
وفي هذا السياق، يبرز تحليل صادر عن ندوة “السرديات الإعلامية… الحرب الأمريكية الإسرائيلية ـ الإيرانية” التي أقامها كرسي الدكتور إبراهيم المهنا لإعلام الطاقة والإعلام المتخصص بجامعة الملك سعود، يسلط الضوء على أبعاد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بوصفها نموذجاً متقدماً لـ”حروب السرديات”، التي تتقاطع فيها أدوات الإعلام التقليدي والرقمي مع تقنيات الذكاء الاصطناعي والتأثير الجماهيري.
صراع الروايات في زمن الحروب الهجينة؟
يشير التحليل إلى أن الصراع لم يعد عسكرياً بحتاً، بل تحول إلى مواجهة متعددة المستويات، تتنافس فيها الأطراف على فرض “روايتها” باعتبارها الحقيقة المهيمنة! فكل خبر يتحول إلى أداة تأثير، وكل صورة إلى وسيلة تعبئة، بينما تُدار المعركة على منصات رقمية يصل تأثيرها إلى ملايين المتابعين حول العالم.
سرديات متباينة…تنافست على تأطير الصراع؟
تباينت السرديات الرئيسية للصراع بشكل واضح:
السردية الأمريكية الإسرائيلية ركزت على تقديم العمليات العسكرية بوصفها “ضرورة دفاعية” تهدف إلى حماية الاستقرار الإقليمي والدولي من التهديد الإيراني. وروّجت وسائل إعلام غربية لفكرة قرب انهيار النظام الإيراني، مع التأكيد على تفوق القدرات التكنولوجية، والتوقع بحسم سريع للصراع.
في المقابل، اعتمدت السردية الإيرانية على خطاب “المقاومة” والتصدي لما تصفه بـ”العدوان”، مع إبراز قدرتها على الصمود والرد، وتسليط الضوء على الخسائر في الطرف الآخر. كما برزت منصات إعلامية غير غربية، مثل “روسيا اليوم” و”برس تي في”، كقنوات بديلة ساهمت في توسيع نطاق هذه الرواية.
أما الإعلام العربي، فجاء حضوره أقل تأثيراً نسبياً، مع تركيز محدود على تداعيات الصراع على أمن الطاقة، دون إبراز كافٍ للمصالح والرؤى الاستراتيجية لدول المنطقة، خاصة دول مجلس التعاون الخليجي.
كيف وظف الإعلام في إدارة الصراع؟
شهدت الحرب استخداماً مكثفاً لوسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى بصري وإخباري، شمل أحياناً معلومات مضللة. كما ساهمت الحسابات الآلية و”الذباب الإلكتروني” في تضخيم الرسائل الإعلامية وتوجيه النقاش العام.
وسجلت التغطيات الإعلامية تقلبات ملحوظة، خاصة بعد تبني بعض الوسائل في مراحل مبكرة روايات غير دقيقة بشأن تطورات الصراع، قبل أن تعيد تقييم مواقفها مع تغير المعطيات على الأرض.
وفي هذا الإطار، يؤكد أستاذ الإعلام أ.د. مطلق المطيري أن “المشهد يعكس نموذجاً متقدماً لتوظيف الإعلام في إدارة الصراع، حيث تتداخل الأبعاد السياسية والأمنية مع الإدراك الإعلامي في تشكيل موازين القوة”.
تأثيرات على الرأي العام؟
أدت هذه السرديات المتنافسة إلى انقسام واضح في الرأي العام الدولي. ففي الدول الغربية، ارتفع التأييد للعمليات العسكرية في بدايتها، قبل أن يتراجع مع تصاعد الخسائر المدنية. وفي المقابل، شهدت بعض المجتمعات العربية والإسلامية حالة تعاطف مع الطرح الإيراني، إلى جانب تنامي المخاوف في دول الخليج من اتساع نطاق الصراع وتداعياته الأمنية.
أهم الدروس والتوصيات؟
تكشف هذه التجربة عن حاجة ملحة لتعزيز القدرات الإعلامية العربية، بما يمكنها من صياغة سرديات متوازنة ومؤثرة. ويبرز في هذا السياق عدد من التوصيات:
توسيع الحضور الإعلامي الدولي عبر منصات متعددة اللغات.
الاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد التضليل وكشفه.
بناء محتوى إعلامي يستند إلى الحقائق ويعكس المصالح الوطنية.
ربط التغطيات الإعلامية بالأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية، خصوصاً ما يتعلق بأمن الطاقة.
وفي المحصلة، قد تتوقف العمليات العسكرية، لكن صراع السرديات يظل مستمراً، حيث يشكل التحكم في الرواية عاملاً حاسماً في تحقيق التفوق الاستراتيجي.



