جازان تستحق… وجمعية الفنون مطالبة بأن تبدأ من حيث انتهى الآخرون

كتب حمد دقدقي
الثقافة ليست ترفًا، والفنون ليست نشاطًا هامشيًا، بل هما من أهم مؤشرات ازدهار المجتمعات، وصورة حضارية تعكس وعي الإنسان وهوية المكان. وعندما نتحدث عن منطقة جازان، فإننا نتحدث عن أرضٍ أنجبت مئات المبدعين في الفن التشكيلي، والمسرح، والتصوير، والخط العربي، والموسيقى، والفنون الشعبية، والتراث، وصناعة الأفلام، وهي طاقات صنعت حضورها رغم محدودية الإمكانات، لا بفضلها.
إن إعادة فرع جمعية الفنون والثقافة بمنطقة جازان تمثل قرارًا يحمل مسؤولية كبيرة قبل أن يكون إنجازًا إداريًا. فالمرحلة المقبلة لا تحتمل تكرار التجارب التقليدية، ولا الاكتفاء بإقامة الفعاليات الموسمية، بل تتطلب مشروعًا ثقافيًا متكاملًا، يضع الفنان في قلب المشهد، ويجعل من الجمعية بيتًا للإبداع، ومنصةً للاحتضان، وحاضنةً للمواهب، ومركزًا لصناعة الفرص.
اليوم، ينتظر الفنانون التشكيليون، والمسرحيون، والمصورون، والموسيقيون، والحرفيون، وصناع الأفلام، وكل المبدعين في جازان، أن يجدوا مؤسسة تعمل وفق رؤية واضحة، تبني ولا تهدم، وتوحد ولا تفرق، وتمنح الجميع فرصًا متساوية دون استثناء، انطلاقًا من مبدأ العدالة والشفافية، واحترام حقوق الفنان، وتقدير عطائه، والإيمان بأن الإبداع لا ينمو إلا في بيئة يسودها الإنصاف والثقة.
كما أن المرحلة تتطلب بناء قاعدة بيانات شاملة للمبدعين، وإطلاق برامج للتدريب والتأهيل، واستقطاب المستثمرين والداعمين، وتسويق الأعمال الفنية ذات القيمة المضافة، وفتح قنوات تعاون مع الجامعات، والجهات الحكومية، والقطاع الخاص، بما يحول الفنون إلى قطاع منتج يواكب مستهدفات رؤية المملكة 2030، ويسهم في التنمية الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.
إن جازان لا تعاني من ندرة المواهب، بل تحتاج إلى إدارة تستثمر هذه المواهب، وتفتح أمامها آفاقًا جديدة، وتزيل العقبات التي حالت طويلًا دون وصول كثير من المبدعين إلى المكانة التي يستحقونها. فالفنان لا يطلب امتيازًا خاصًا، وإنما يطلب بيئة عادلة، وفرصة متكافئة، واحترامًا لإنجازه، وإيمانًا برسالته.
ومن هذا المنطلق، فإن المسؤولية اليوم مشتركة بين الجمعية، والجهات الثقافية، والشركاء من القطاعين العام والخاص، لصناعة نموذج يُحتذى به، يجعل من جازان مركزًا للإبداع، لا مجرد محطة للفعاليات. فالمشهد الثقافي الحقيقي يُقاس بما يتركه من أثر مستدام، لا بعدد المناسبات العابرة.
وفي هذا السياق، نتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى سعادة مدير عام الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بالمملكة، والرئيس التنفيذي لجمعية المسرح والفنون الدكتور خالد الباز، على دعمهم واهتمامهم بإعادة فرع الجمعية في منطقة جازان، وهي خطوة تعكس إدراكًا لأهمية هذه المنطقة، وما تمتلكه من رصيد ثقافي وإنساني وإبداعي يستحق الرعاية والتمكين.ونبارك للزميل الاستاذ عيسى محمد غزاوي الذي نال ثقة المسؤلين لادارة المرحلة القادمة ويبقى الأمل كبيرًا بأن تكون هذه العودة بداية لمرحلة جديدة تُذاب فيها العقبات، وتُفتح فيها الأبواب أمام جميع المبدعين، بعيدًا عن الاجتهادات الفردية أو الحسابات الضيقة، وأن تبدأ الجمعية من حيث انتهى الآخرون، لا أن تعيد الدوران في دائرة البدايات.
فجازان ليست مجرد منطقة على خارطة الوطن، بل ذاكرة ثقافية نابضة، ورافد أصيل للفنون السعودية، وأرضٌ إذا وجدت من يؤمن بإنسانها، فإنها ستقدم للوطن نماذج إبداعية تليق باسمه، وتؤكد أن الاستثمار في الثقافة هو استثمار في مستقبل الإنسان، وأن الفن سيظل أحد أكثر الأوطان قدرةً على جمع القلوب، وصناعة الجمال، وكتابة التاريخ



