هل دخل القطاع غير الربحي في السعودية مرحلة الاستدامة؟

بقلم/هيثم عبدالحميد
شهد القطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية تحولاً استراتيجياً عميقاً خلال السنوات الأخيرة، حيث أريد له ان ينتقل من نموذج العطاء التقليدي القائم على التبرعات المباشرة إلى شريك تنموي فاعل يساهم في تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز الاقتصاد الوطني.
كان أحد أهم محركات هذا التحول إنشاء المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، الذي يتولى تنظيم القطاع والإشراف عليه وتمكين شركائه من خلال إصدار التراخيص، تعزيز الحوكمة، بناء القدرات، وتنسيق الجهود بين الجهات المختلفة.
أصبح القطاع يُقاس اليوم ليس بحجم التبرعات فقط، بل بقدرته على توليد الأثر الاجتماعي والاقتصادي، وبناء شراكات مستدامة، وإنتاج قيمة قابلة للقياس؛ لذا جاءت اللائحة التنفيذية المحدثة لنظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية (2025) لتُشكل نقلة نوعية حقيقية. فلم تعد اللائحة مجرد وثيقة تنظيمية، بل تحولت إلى أداة تمكين استراتيجية تدعم انتقال القطاع غير الربحي إلى مرحلة احترافية وتنموية مستدامة.
ومن أبرز حلول اللائحة التنفيذية التي جاءت استجابة لتوصيات ومطالب خبراء القطاع:
– تبسيط إجراءات التأسيس: الحد الأدنى 10 مؤسسين سعوديين، مع نموذج موحد وإصدار ترخيص لمدة 5 سنوات فور اكتساب الشخصية الاعتبارية.
– مرونة تشغيلية: السماح بتجاوز الأهداف المحددة مؤقتاً في حالات الجوائح والكوارث والاحتياجات التنموية الطارئة.
– تعزيز الحوكمة: مجالس إدارة تتكون من 5 إلى 13 عضواً، ضوابط واضحة للانتخابات والرقابة الداخلية، ومهلة تصحيحية مدتها 12 شهراً للكيانات القائمة.
هذه الحلول مجتمعة جعلت القطاع أكثر قدرة على المشاركة الفاعلة في التنمية، لا الاكتفاء بتقديم المساعدات المباشرة فقط.
خلال تسعة أعوام ارتفع عدد المتطوعين من 23 ألف إلى مليون؟
يأتي هذا التحول مدفوعاً برؤية السعودية 2030، التي وضعت هدفاً طموحاً برفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي من أقل من 1% إلى 5% بحلول عام 2030، إلى جانب الوصول إلى مليون متطوع سنوياً وتعزيز الأثر الاجتماعي القابل للقياس.
كما ربطت الرؤية بين تمكين القطاع غير الربحي وتحقيق مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر. وتظهر البيانات الرسمية ارتفاعاً ملحوظاً في قاعدة المشاركة المجتمعية، حيث ارتفع عدد المتطوعين من نحو 23 ألف متطوع في عام 2015 إلى مليون متطوع في عام 2024. هذا الرقم يعكس اتساع دائرة المسؤولية المجتمعية وتحول الثقافة نحو العمل التطوعي المنظم.
رغم التقدم الكبير، ما زالت الاستدامة المالية تمثل أحد أبرز التحديات، حيث تعتمد كثير من المنظمات على التبرعات التقليدية. ولهذا ركزت اللائحة الجديدة والمركز الوطني على نقل المنظمات من منطق «التبرع فقط» إلى منطق «الدخل المستدام»، من خلال دعم صناديق الاستدامة، الشراكات طويلة الأمد، والأوقاف التنموية، بالإضافة إلى إصدار دليل الاستدامة المالية.
كما تشمل التحديات الرئيسية نقص الكفاءات المتخصصة في مجالات الحوكمة وقياس الأثر والتحول الرقمي، بالإضافة إلى تحدي تفاوت مستويات الحوكمة بين المنظمات. ومع ذلك، فإن هذه التحديات نفسها تمثل فرصاً ذهبية في مرحلة تشهد توسعاً تنظيمياً ورقمياً متسارعاً.
يمكن القول بثقة إن القطاع غير الربحي في السعودية دخل مرحلة إعادة تشكيل حقيقية وعميقة: من قطاع خيري تقليدي إلى قطاع منظم، محترف، ومتكامل مع المنظومة التنموية الوطنية، مدعومًا بإرادة سياسية قوية.
تبقى المعادلة الأساسية في السنوات المقبلة قائمة على تحقيق التوازن بين التوسع التنظيمي، الاستدامة المالية، بناء القدرات البشرية، وقياس الأثر بدقة علمية. وإذا استمرت هذه الوتيرة الإيجابية، فسيصبح القطاع غير الربحي أحد أهم أدوات تحقيق مستهدفات رؤية 2030 الاجتماعية والاقتصادية، ومساهماً رئيسياً في بناء مجتمع أكثر حيوية واستدامة وازدهاراً.



