اختر التخطّي… فليس كل نقاشٍ يستحق العمر

جازان _ ✍ بدريه مجممي
ليست القوة أن تربح كل جدال، ولا الحكمة أن يكون لك الرد على كل كلمة. فالحياة أقصر من أن تُهدر ساعاتها في معارك لا تُثمر، وأثمن من أن تُستهلك طاقتك في إقناع من أغلق قلبه قبل أن يغلق أذنيه.
هناك من يناقش ليصل إلى الحقيقة، وهناك من يناقش ليُثبت أنه على حق، ولو خالف الحق نفسه. وبين الفريقين فرقٌ شاسع؛ فالأول يفتح لك بابًا للفهم، والآخر يفتح عليك بابًا للتعب.
ولقد علّمتنا الأيام أن العقول الراقية لا ترفع صوتها، بل ترفع منطقها، وأن النفوس الكبيرة لا تبحث عن الانتصار على الناس، بل تبحث عن الانتصار على الغضب والكِبر والعناد. أما الجدل الذي لا يزيد القلوب إلا قسوة، والعلاقات إلا بُعدًا، فتركه غنيمة، والإعراض عنه سلامة.
ليس كل كلمة تستحق جوابًا، ولا كل إساءة تستحق انتقامًا، ولا كل رأي يستحق أن نقف عنده طويلًا. ففي التجاهل أحيانًا حكمة، وفي التخطّي شجاعة، وفي الصمت رفعة لا يدركها إلا من عرف قيمة نفسه.
إن الإنسان كلما نضج، أدرك أن راحة البال ليست هدية يمنحها الآخرون، بل قرارٌ يتخذه بنفسه. فيبتعد عمّا يُرهق قلبه، ويترك ما يعكر صفو أيامه، ويختار صحبةً تُعينه على الخير، وكلمةً تُحيي الأمل، وطريقًا يقوده إلى الطمأنينة.
فاختر التخطّي حين يكون النقاش بابًا للخصومة لا للفهم، واختر الصمت حين يصبح الكلام وقودًا للخلاف، واختر سلام قلبك، فإن أثمن ما يملكه الإنسان في هذه الدنيا قلبٌ مطمئن، وروحٌ لا تحمل ضغينة، ونفسٌ تمضي في طريقها دون أن تلتفت إلى كل ضجيج.
وهكذا يمضي العقلاء… لا لأنهم عجزوا عن الرد، ولكن لأنهم أدركوا أن بعض الانتصارات خسارة، وأن أجمل الحكمة أن تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، ومتى تبتسم وتمضي.



