مقالات و رأي

جيه دي فانس لإسرائيل: “استيقظوا وشموا رائحة الواقع”

بقلم/ هيثم عبد الحميد

سلسلة من التصريحات العلنية الصادمة خلال عامي 2025 و2026، حيث أظهر نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس موقفاً مزدوجاً تجاه إسرائيل: دعم استراتيجي للدولة كحليف، لكنه وجه انتقادات مباشرة وحادة في بعض الأحيان لحكومة نتنياهو وسياساتها وأوضح أن نتنياهو “يؤكد بقوة مصالح بلاده”، لكن هذه المصالح “لا تتوافق دائماً مع المصالح الأمريكية”.
مشددا أن الإدارة الأمريكية ستختار مصلحة الشعب الأمريكي عند التعارض:”حيث تتباعد المصالح، للأسف بالنسبة للإسرائيليين، علينا أن نختار جانب الشعب الأمريكي”.
وفي الوقت نفسه، أعرب فانس عن تعاطف واضح مع معاناة المدنيين الفلسطينيين في غزة، معتبراً أن رؤية الأطفال يعانون يجب أن “تكسر القلب” لأي شخص لديه ضمير!
نحن أمام انتقال تاريخي من تحالف “عاطفي–استراتيجي” إلى تحالف “واقعي–مشروط”، حيث: الدعم مستمر لكنه ليس شيكاً على بياض. وإسرائيل مجبرة على مراعاة المصالح الأمريكية، لا العكس. كما أصبح الرأي العام الأمريكي عاملاً ضاغطاً لا يمكن تجاهله.

انتقادات مباشرة للحكومة الإسرائيلية؟
كان أبرز انتقادات فانس موجهة إلى بعض أعضاء الحكومة الإسرائيلية، وخاصة الوزراء إيتمار بن غفير وبيتسلئيل سموتريتش، الذين هاجموا التفاهم الذي توصلت إليه إدارة الرئيس دونالد ترامب مع إيران في يونيو 2026. وفي مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض، قال فانس:”دونالد جيه ترامب هو الرئيس الوحيد في العالم بأسره الذي يبدي تعاطفاً مع دولة إسرائيل في هذه اللحظة… لو كنت في مجلس الوزراء الإسرائيلي، لما هاجمت الحليف القوي الوحيد المتبقي لي في العالم أجمع.”
كما أشار إلى الدعم العسكري الأمريكي الكبير لإسرائيل، قائلاً إن “ثلثي الأسلحة الدفاعية التي تحمي وطنكم صنعتها أيدٍ أمريكية ومولتها أموال دافعي الضرائب الأمريكيين”، محذراً المنتقدين بأن “أي شخص في إسرائيل يعتقد أن أكبر مشكلة تواجهه هي رئيس الولايات المتحدة، يحتاج أن يستيقظ ويشم رائحة الواقع”.
وفي مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز، وجه فانس انتقاداً لاذعاً للاعتماد على الحلول العسكرية فقط:”أنتم دولة تعدادها 9 ملايين نسمة. لا يمكنكم فقط ‘القتل’ للخروج من حل كل مشكلة أمنية وطنية تواجهونها.”
كما انتقد بعض الهجمات الإسرائيلية على لبنان، معتبراً أنها تقطع المفاوضات وتتسبب في سقوط ضحايا مدنيين لا علاقة لهم بحزب الله.
وتعاطفا مع معاناة غزةلم تقتصر تصريحات فانس على الانتقاد السياسي، بل أظهر تعاطفاً إنسانياً واضحاً مع المدنيين في غزة! في بودكاست مع الممثل الكوميدي ثيو فون، تحدث فانس عن الفيديوهات والصور القادمة من غزة، قائلاً:”أرى هذه الفيديوهات والصور، وهي مؤلمة جداً للقلب… إذا كان لديك روح، يجب أن ينكسر قلبك عندما ترى طفلاً صغيراً يعاني.”
وأدان بعض اليمينيين الذين يتجاهلون معاناة الأطفال الفلسطينيين، معتبراً أن مثل هذه المواقف “تُهين الإنسانية”.
وفي حلقة بودكاست جو روغان التي صدرت في 15 يوليو 2026، أضاف فانس أبعاداً أخرى، مشيراً إلى أن إسرائيل “تخسر معركة الرأي العام” في الولايات المتحدة، وانتقد ما وصفه بحملات التأثير الأجنبي (بما فيها الإسرائيلية) التي تحاول تعطيل المفاوضات مع إيران.

زلزال سياسي في إسرائيل؟
هذه المواقف أثارت ردود فعل غاضبة، وحالة من “الفزع” الإسرائيلي، ونشرت مقالات وأعمدة تنتقد التصريحات بشدة، واعتبرتها تحولاً سلبياً في العلاقة مع واشنطن. إحدى العناوين كانت موجهة لترامب وفانس بشكل غير مباشر: “كان بإمكانك أن تكون أعظم رئيس… لكنك فشلت”. ووصفت تعليقات فانس بأنها “غير معتادة” من إدارة ترامب، كما رد نتنياهو نفسه على بعضها مؤكداً وجود حلفاء آخرين لإسرائيل مثل الهند التي يبلغ عدد سكانها 1.4 مليار نسمة؟ بينما اعتبرها البعض تحولاً في لهجة الإدارة الأمريكية تجاه الحكومة الإسرائيلية الحالية.
وكان من أبرز ردود الفعل في الإعلام الإسرائيلي رد الفعل الأقسى في مقال رأي نشر في 23 يونيو 2026 في صحيفة جيروزاليم بوست بعنوان “هجوم فانس على إسرائيل يتطلب رداً”. ووصفت الصحيفة عبارة فانس “أنتم دولة تعدادها 9 ملايين نسمة. لا يمكنكم فقط ‘القتل’ للخروج من كل مشكلة أمنية” بأنها “معاداة سامية صريحة”،وكتبت: “نحن لسنا قتلة… هذا هجوم شرير”. ودعت المنظمات اليهودية الأمريكية (مثل ADL) إلى إدانة فانس علناً، وفي قناة 14 (القناة الموالية لنتنياهو) وصف المذيع ينون ماغال فانس بـالقذر، واتهم فريق ترامب (بما فيهم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر) بـ”بيع إخوانهم في إسرائيل”

أميركا اليوم: لم تعد إسرائيل “استثناءً”؟!
تعكس تصريحات جيه دي فانس نهجاً واقعياً جديدا يجمع بين الاعتراف بالعلاقة الاستراتيجية مع إسرائيل والتأكيد على أن المصالح الأمريكية تأتي أولاً. وفي الوقت نفسه، يظهر تعاطفه الإنساني مع معاناة المدنيين في غزة، خاصة الأطفال، كعامل مهم في دعمه لجهود وقف إطلاق النار وإنهاء الصراع.
ما كان يُقال سابقاً خلف الأبواب المغلقة (الانتقاد، الضغط، التحذير من زحف اللوبي الصهيوني على القرار الأمريكي) بات يُقال اليوم علناً، وهذا بحد ذاته تحول في قواعد العلاقة، حتى لو لم تتغير جوهرها بالكامل بعد مما جعل بعض المحللين يرون في ذلك أوسع تحول في السياسة الأمريكية نحو “أمريكا أولاً”، حيث لم تعد إسرائيل “استثناءً”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى