النظام الذي فقد ظله

بقلم/ هيثم عبدالحميد
بعد سبعة وأربعين عامًا على قيامها، تبدو الجمهورية الإسلامية في إيران وقد فقدت «ظلها» الأخلاقي، كما تآكلت شرعيتها السياسية وانحسر تمثيلها الشعبي؛ وهي التي قدّمت نفسها يومًا بوصفها بديلاً عادلًا لنظام الشاه. الفساد الذي خرجت الثورة لاجتثاثه عاد ليترسخ داخل بنية الدولة بأشكال أكثر تعقيدًا، فيما وجد المعارضون الذين وُعدوا بالمشاركة في صنع القرار أنفسهم بين السجون والمنافي والمقابر.
الأخطر أن النظام لم يكتفِ بإقصاء خصومه التقليديين، بل امتد بطشه ليطال «أبناءه» أنفسهم: من الثوار والإصلاحيين والشباب الذين نشأوا على شعاراته. هكذا تحولت الثورة التي رفعت شعار «لا شرقية ولا غربية» إلى منظومة مغلقة تقمع كل اختلاف، حتى لو صدر عن صُنّاعها الأوائل. لم يعد السؤال: أين ذهب المعارضون؟، بل: «أين اختفى أبناء الثورة؟».
كيف أكلت الثورة أبناءها؟
لم يقتصر القمع على بقايا النظام الملكي أو الخصوم التقليديين، بل شمل شركاء الثورة أنفسهم؛ أولئك الذين ساهموا في إسقاط الشاه أو تربّوا في ظل شعاراتها. هذا المسار، المعروف تاريخيًا بـ«أكل الثورة لأبنائها»، تجسّد في إيران عبر مراحل متتابعة
المرحلة الأولى: تصفية الحلفاء اليساريين (1979–1988؟
في السنوات الأولى، تعرضت الفصائل اليسارية التي شاركت في إسقاط الشاه لحملات قمع ممنهجة. حزب «توده» الشيوعي، رغم دعمه المبكر للثورة، شهد اعتقالات واسعة وإعدامات في الثمانينيات. كما طالت التصفية تنظيمات أخرى مثل «فدائيي الشعب».
أما منظمة «مجاهدي خلق»، التي كانت حليفًا بارزًا في البداية، فقد تحولت إلى عدو معلن بعد خلافها مع الخميني، لتواجه واحدة من أعنف حملات القمع، بلغت ذروتها في إعدامات عام 1988 التي راح ضحيتها آلاف السجناء السياسيين، في عمليات وصفتها منظمات حقوقية بأنها ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.
المرحلة الثانية: التطهير داخل التيار الديني؟
لم ينجُ حتى رموز المؤسسة الدينية. آية الله حسين علي منتظري، الذي كان خليفة الخميني، وُضع تحت الإقامة الجبرية بعد انتقاده سياسات القمع والإعدامات. كما شهدت التسعينيات موجة «الاغتيالات المتسلسلة» التي استهدفت مثقفين وناشطين، من بينهم داريوش فروهر وزوجته.
الصحفي أكبر غنجي، الذي كشف تورط أجهزة الدولة في هذه الجرائم، دفع ثمن ذلك بالسجن لسنوات، في مؤشر واضح على ضيق هامش النقد حتى داخل الدائرة القريبة من النظام.
المرحلة الثالثة: ضرب التيار الإصلاحي (1997–2009؟
مع صعود محمد خاتمي، برز تيار إصلاحي سعى إلى إدخال تغييرات سياسية واجتماعية دون المساس بأسس النظام. غير أن هذا التيار ووجه بحملة ممنهجة من الإقصاء والتضييق.
بلغت المواجهة ذروتها في احتجاجات 2009، حين قاد مير حسين موسوي ومهدي كروبي، وهما من رموز الثورة، حركة احتجاج واسعة. انتهت تلك المرحلة بوضعهما تحت الإقامة الجبرية، مع اعتقال آلاف من أنصارهما وقمع الاحتجاجات بعنف.
المرحلة الرابعة: الجيل الجديد تحت القمع (2017–2023؟
امتد القمع إلى جيل جديد نشأ في ظل الثورة. في احتجاجات 2017 و2019 و2022، كان بين الضحايا والمعتقلين أبناء عائلات ثورية، بما في ذلك أبناء مسؤولين سابقين في الحرس الثوري.
هؤلاء الشباب، الذين تربّوا على خطاب «نصرة المستضعفين»، وجدوا أنفسهم متهمين بـ«العداء للثورة» لمجرد مطالبتهم بالإصلاح. وواجه كثير منهم أحكامًا قاسية، وصلت إلى الإعدام، وسط ضغوط امتدت إلى عائلاتهم.
معارضو النظام: لحظة المكاشفة ومواجهة الحقيقة؟
تعكس مواقف عدد من رموز الثورة حجم التحول:
مير حسين موسوي دعا صراحة إلى تغيير المسار، معتبرًا أن «اللعبة انتهت»، ومطالبًا باستفتاء دستوري سلمي.
حسين علي منتظري شكك في شرعية نظام «يقوم على القمع»، مؤكدًا أن الظلم لا يمكن أن يكون أساسًا لحكم إسلامي.
أكبر غنجي قدّم نقدًا جذريًا لفكرة الثورة نفسها، معتبرًا أنها كثيرًا ما تستبدل الظلم بآخر.
مهدي كروبي قارن بين العهدين، معتبرًا أن القمع الحالي تجاوز ما شهده في عهد الشاه.
هذه الشهادات تكشف خيبة عميقة لدى «أبناء الثورة»، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة نظام احتكر الدولة باسم حماية الثورة، ودفعوا ثمن اعتراضهم من حريتهم ومستقبلهم.
إن حجم الاختراق الأمريكي والإسرائيلي للنظتم الإيراني يؤكد أن النظام لم يعد يواجه أزمة سياسية يمكن احتواؤها، بل فقدانًا كاملًا للشرعية. ثورة وعدت بالعدالة، وانتهت إلى سلطة قمعية تخاف من شعبها، وتطارد أبناءها!
هذا ليس فشل ثورة… بل سقوط مدوي لنظام “ولاية الفقيه”!



