الأمير .. المتهم الأول بالنجاح

د/ فدغوش ذياب السيحاني.
كاتب وباحث في القانون والإقتصاد السياسي والتشريعات الاقتصادية.
كيف أعاد رجلٌ واحد رسم ملامح القوة السعودية؟ ، “ذلك الرجل هو الأمير محمد بن سلمان” ، كيف انتقلت المملكة من استيراد المستقبل إلى التفاوض على صناعته؟.
لم تعد التحولات الكبرى في الدول تُقاس بحجم ما تملكه من النفط، ولا بعدد ناطحات السحاب، ولا حتى بمعدلات النمو الاقتصادي وحدها؛ بل أصبحت تُقاس بقدرتها على امتلاك مفاتيح المستقبل. ومن بين تلك المفاتيح، تقف الطاقة النووية السلمية في مقدمة الصناعات التي تعكس المكانة السياسية والعلمية والاقتصادية للدول.
حين ظهر الأمير محمد بن سلمان على المشهد السياسي، كان الخطاب السائد ينظر إلى المملكة بوصفها دولة نفطية تعتمد على مورد واحد. لكن السنوات التالية حملت تحولًا جذريًا؛ إذ لم يعد السؤال: كيف تبيع السعودية النفط؟ بل أصبح: كيف تبني اقتصادًا لما بعد النفط؟
جاءت رؤية المملكة 2030 لتؤسس لهذا التحول، فتنوعت الاستثمارات، وتوسعت الشراكات الدولية، وأعيد بناء الاقتصاد على أسس أكثر استدامة. إلا أن الملف النووي ظل يمثل الحلقة الأكثر تعقيدًا، لأنه لا يرتبط بالطاقة فحسب، بل يتصل بالتوازنات الجيوسياسية، والأمن القومي، والتكنولوجيا المتقدمة، والسيادة الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، مثّل التوقيع على اتفاقية التعاون النووي المدني بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة محطة تاريخية، إذ وضعت إطارًا قانونيًا لتطوير برنامج نووي مدني سعودي، مع فتح المجال أمام تطوير دورة الوقود النووي داخل المملكة، بما في ذلك تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية، ضمن ترتيبات وضمانات متفق عليها بين الطرفين، مع بقاء الاتفاق خاضعًا للمراجعة الدستورية في الولايات المتحدة.
ولا تكمن أهمية الاتفاق في الجانب التقني وحده، وإنما في دلالته السياسية. فالدول الكبرى لا تمنح مثل هذه الشراكات إلا للدول التي تراها شريكًا طويل الأمد وقادرًا على تحمل مسؤوليات التكنولوجيا النووية المدنية. ومن هنا، فإن الاتفاق يعكس مستوى متقدمًا من الثقة الاستراتيجية بين الرياض وواشنطن، ويؤكد أن المملكة أصبحت لاعبًا مؤثرًا في معادلات الطاقة العالمية.
ومع ذلك، أثار الاتفاق نقاشًا واسعًا داخل الولايات المتحدة وبين خبراء منع الانتشار النووي، إذ رأى بعضهم أن السماح بالتخصيب المحلي يختلف عن نماذج اتفاقيات سابقة، بينما تؤكد الإدارة الأمريكية أن الاتفاق يتضمن ترتيبات تهدف إلى دعم الاستخدامات السلمية وتعزيز التعاون الاستراتيجي.
ومن زاوية أخرى، فإن امتلاك المملكة لقدرات في دورة الوقود النووي لا ينبغي النظر إليه باعتباره مشروعًا للطاقة فقط، بل بوصفه استثمارًا في المعرفة، والصناعة، والبحث العلمي، وتوطين التقنية، وإعداد الكفاءات الوطنية. فالدول التي تمتلك التكنولوجيا لا تستورد المستقبل، بل تصنعه.
لقد أثبتت التجربة أن القيادة لا تُقاس بعدد القرارات التي تُصدرها، وإنما بقدرتها على نقل الدولة من مرحلة إلى أخرى. وما شهدته المملكة خلال السنوات الأخيرة من إصلاحات اقتصادية، وتحولات تشريعية، وتوسع في الاستثمار العالمي، ومشروعات عملاقة، ثم الدخول إلى نادي الدول الساعية لامتلاك برنامج نووي مدني متقدم، يعكس رؤية تتعامل مع العقود المقبلة لا مع السنوات القليلة القادمة.
لهذا، فإن الحديث عن محمد بن سلمان لا ينبغي أن يُختزل في مشروع أو صفقة أو قرار منفرد، بل في فلسفة حكم تقوم على إعادة تعريف مكانة المملكة في النظام الدولي. إنها فلسفة تنطلق من أن السيادة في القرن الحادي والعشرين لا تتحقق فقط بحماية الحدود، بل بامتلاك المعرفة، والتكنولوجيا، والاقتصاد، والقدرة على التفاوض من موقع الند لا التابع.
ولعل أعظم ما يمكن أن يقال في نهاية المطاف هو أن التاريخ لا يتوقف طويلًا عند من حافظوا على الواقع، وإنما يكتب صفحاته لأولئك الذين امتلكوا الجرأة على تغييره. ومن هذه الزاوية، تبدو قصة محمد بن سلمان ليست قصة مسؤولٍ يدير مرحلة، بل قصة مشروع يسعى إلى إعادة تشكيل مستقبل وطن بأكمله.



