مقالات و رأي

كيف تأتينا رسائل الله؟

الكاتبة/ أمل بازيد

قرأتُ يومًا أبياتًا فتحت أمامي بابًا واسعًا للتأمل في أحداث الحياة، وما تخبئه خلف ظاهرها من رسائل ومعانٍ:

«وللهِ في آفاقِنا كلَّ لحظةٍ
رسائلُ لا تخفى على مَن تأمَّلا
إذا ضاقتِ الدنيا عليك فإنما
يريدُك أن تدعوه حتى تُفضَّلا»

وكلما تأملت معناها، أدركت كم من رسالة مرّت بنا في زحام الحياة ولم ننتبه إليها، وكم من موقف حسبناه عابرًا، ثم اكتشفنا بعد زمن أنه كان يحمل درسًا غيّر شيئًا في داخلنا، أو أعاد توجيهنا إلى طريق لم نكن نراه.

ونحن نعبر هذه الحياة، تأتينا رسائل الله بأشكال لا نتوقعها؛ فقد تأتي على هيئة شخص، أو حدث، أو تجربة. بعضها يحمل التوجيه حين نحتار، وبعضها يوقظنا حين نغفل، وبعضها يعلّمنا ما لم تستطع الأيام الهادئة أن تعلمنا إياه.

فأحيانًا تأتي الرسالة على هيئة شخص يدخل حياتنا في توقيت لم نتوقعه، فيغيّر فكرةً راسخة، أو يوقظ حلمًا خمد، أو يفتح أمامنا نافذة لم نكن نراها. وقد يأتي آخر ليعلّمنا درسًا مختلفًا؛ أن نضع حدودنا، ونحفظ كرامتنا، وندرك أن الطيبة لا تعني أن نسمح لأحد باستنزافنا.

وليس كل من دخل حياتنا كُتب له البقاء؛ فبعض الأشخاص كانت رسالتهم في الأثر الذي تركوه، وفي الدرس الذي تعلمناه، لا في طول الطريق الذي ساروه معنا.

وقد تأتي الرسالة على هيئة باب يُغلق رغم كل محاولاتنا، أو فرصة تضيع، أو مشروع لا يكتمل، أو أمنية يتأخر تحققها. وفي لحظة الخيبة يصعب علينا أن نرى ما وراء الحدث، لكن الأيام قد تكشف لاحقًا أن بعض الأبواب أُغلقت رحمةً، وأن بعض الطرق صُرفنا عنها حمايةً، وأن ما حسبناه خسارة كان يقودنا إلى طريق أكثر ملاءمة لنا.

وكم من أمر تمنيناه بإلحاح، ثم حمدنا الله بعد سنوات أنه لم يتحقق بالصورة التي أردناها.

وأحيانًا تصل الرسالة إلينا من أقرب مكان… من أجسادنا.

فالجسد حين نرهقه طويلًا ونهمل احتياجاته يبدأ بالكلام بلغته الخاصة. قد يظهر ذلك في صورة تعب مستمر، أو أرق، أو إرهاق، أو مرض يفرض علينا التوقف بعدما رفضنا طويلًا أن نتوقف بإرادتنا.

وليس كل مرض عقوبة، ولا يمكن اختزال المرض في سبب واحد، لكن المحنة الصحية قد تكون محطة تدعونا إلى مراجعة نمط حياتنا، والعناية بأنفسنا، وإعادة ترتيب أولوياتنا، والتخفف من الضغوط التي أثقلت أرواحنا وأجسادنا.

وكم من إنسان خرج من تجربة مرضية بنظرة مختلفة للحياة؛ أكثر امتنانًا للصحة، وأكثر تقديرًا للوقت، وأشد قربًا من الله، بعدما أدرك أن نعمًا عظيمة كانت تحيط به كل يوم دون أن يشعر بقيمتها.

وتأتي بعض الرسائل في ثوب الألم؛ خذلان ممن وثقنا بهم، أو نهاية علاقة، أو فقد موجع، أو حلم انهار قبل أن يكتمل. وفي لحظة الوجع يصعب علينا رؤية الحكمة؛ لأن الألم يملأ المشهد كله.

لكن حين تهدأ العاصفة وتتسع الرؤية، قد نكتشف وجهًا آخر للحكاية. ندرك أن تجربةً أوجعتنا علمتنا كيف نحمي أنفسنا، وأن نهايةً ظنناها انكسارًا أعادت إلينا شيئًا فقدناه، وأن بابًا أُغلق دفعنا إلى اكتشاف أبواب أخرى، وأن عثرةً حسبناها نهاية الطريق كانت بداية وعي جديد.

همسة أمل ….

لا تتعجل فهم كل ما يحدث لك.

فبعض الرسائل لا تُقرأ إلا بعد أن تُطوى صفحاتها، وبعض المعاني لا تتضح إلا بعد أن يهدأ الألم، وبعض الأقدار تحتاج إلى مسافة من الزمن حتى نرى ما كان خافيًا عنا.

وما يحيرك اليوم قد يكون غدًا من الأمور التي تحمد الله عليها. وما أثقل قلبك يومًا ربما حمل في داخله نجاة لم تكن تراها، وما ظننته تأخيرًا قد يكون إعدادًا، وما حسبته نهاية قد يصبح بداية لطريق لم يخطر لك يومًا أن تسلكه.

لذلك، حين تواجه أمرًا لا تفهمه، لا تجعل سؤالك الوحيد: لماذا حدث هذا لي؟

بل اسأل أيضًا: ماذا يمكن أن أتعلم من هذه التجربة؟ وما الذي تدعوني إلى تغييره؟ وما الذي ينبغي أن أراه الآن ولم أكن أراه من قبل؟

فالحياة ليست مجرد أيام نعبرها، بل رحلة تتسع فيها رؤيتنا، وتنضج أرواحنا، ونتعلم خلالها أن نقرأ ما وراء الأحداث، وأن نثق بالله حتى حين لا نفهم حكمته كاملة.

وربما يأتي يوم تنظر فيه إلى سنوات مضت من عمرك، فتدرك أن رسائل الله كانت تحيط بك منذ البداية؛ في أشخاص عرفتهم، وأبواب أُغلقت، وطرق تغيرت، ومواقف أوجعتك، وأخرى أنقذتك.

وعندها فقط ستفهم أن كثيرًا مما ظننته يومًا فوضى كان يحمل في طياته ترتيبًا، وما حسبته ضياعًا كان يقودك إلى وجهة أخرى، وأنك في كل تلك الطرق لم تكن وحدك؛ بل كان لطف الله يرافقك، حتى في اللحظات التي لم تستطع فيها أن تراه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى