المؤسسات التربوية والتعليمية… الرهان الاستراتيجي لنهضة المملكة وصناعة مستقبلها.

بقلم: البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي
أستاذ جامعي سابق – جامعة أم القرى.
مستشار وباحث في التخطيط الاستراتيجي والقيادة.
حين تتنافس الأمم على صناعة المستقبل فإنها لا تبدأ ببناء المصانع ولا بتشييد المدن، ولا باستثمار الثروات فحسب، بل تبدأ ببناء الإنسان.. فالإنسان هو الثروة التي لا تنضب، وهو صانع الحضارة، وقائد التنمية، والضامن الحقيقي لاستدامتها. ومن هنا، كانت المؤسسات التربوية والتعليمية هي الرهان الاستراتيجي الذي تراهن عليه الدول الطامحة إلى الريادة، لأنها تصنع العقول قبل المباني، وتبني الأجيال قبل المشروعات، وتؤسس لمستقبل تقاس فيه قوة الأمم بجودة تعليمها وكفاءة إنسانها.
إذ لم تعد نهضة الأمم في القرن الحادي والعشرين تقاس بما تمتلكه من ثروات طبيعية أو إمكانات اقتصادية فحسب، بل بقدرتها على بناء الإنسان، وتنمية رأس المال البشري، وإعداد أجيال تمتلك المعرفة والمهارة والقيم وتستطيع قيادة التحولات المستقبلية بكفاءة واقتدار. ومن هنا، أصبحت المؤسسات التربوية والتعليمية الركيزة الأولى في مشاريع التنمية الوطنية، لأنها البيئة التي تبنى فيها العقول، وتصاغ فيها الشخصية، وترسخ فيها الهوية الوطنية، وتكتشف فيها المواهب التي تقود مسيرة التنمية وتصنع مستقبل الأوطان.
وقد أدركت المملكة العربية السعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز –حفظهما الله أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان فجاءت رؤية المملكة 2030 لتجعل تنمية القدرات البشرية أحد مرتكزاتها الرئيسة، ولتؤكد أن التعليم ليس قطاعاً خدمياً فحسب، بل مشروعاً وطنياً واستثماراً استراتيجياً في مستقبل الوطن.
ومن هذا المنطلق ، جاء القرار الأخير لمجلس الوزراء بالموافقة على إنشاء مجلس شؤون التعليم العام برئاسة معالي وزير التعليم، ليؤكد أن المملكة تمضي بخطوات واثقة نحو تعزيز الحوكمة التعليمية، وتوحيد السياسات، ورفع كفاءة الأداء المؤسسي، وتحقيق التكامل بين مكونات المنظومة التعليمية. ويعكس هذا القرار قناعة راسخة بأن تطوير التعليم يتطلب قيادة مؤسسية موحدة، ورؤية استراتيجية تستشرف المستقبل، وتضمن استدامة التطوير، وتعزز جودة المخرجات بما يتوافق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.
إن نجاح المؤسسات التربوية لم يعد مرتبطاً بعدد المدارس أو الجامعات، وإنما بقدرتها على تبني استراتيجيات مستقبلية تستجيب للتحولات العالمية المتسارعة.. ويأتي في مقدمة هذه الاستراتيجيات التحول من التعليم القائم على التلقين إلى التعلم القائم على التفكير الناقد والإبداع والابتكار، وتوظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في تحسين نواتج التعلم، وتطوير المناهج بصورة مستمرة بما يواكب مهارات المستقبل واحتياجات الاقتصاد الوطني، وتعزيز ثقافة البحث العلمي وريادة الأعمال، وبناء منظومة متكاملة للتنمية المهنية المستدامة للمعلمين والقيادات التعليمية، إلى جانب تطوير أنظمة التقويم وقياس الأداء وفق مؤشرات وطنية ودولية تضمن جودة التعليم واستدامة تحسينه.
كما تقتضي المرحلة القادمة بناء مؤسسات تربوية مرنة وقادرة على استشراف المستقبل، من خلال تبني التخطيط الاستراتيجي، والحوكمة الرشيدة، والاعتماد على البيانات في صناعة القرار، وتعزيز ثقافة الابتكار المؤسسي، بما يجعل المدرسة والجامعة بيئات منتجة للمعرفة، وليستا مجرد مؤسسات لنقلها.
وفي ظل هذه التوجهات يجب أن تبرز الشراكة الاستراتيجية بين التعليم العام والتعليم الجامعي باعتبارها أحد أهم مفاتيح نجاح المنظومة التعليمية. فالتعليم العام يضع الأساس المعرفي والقيمي للمتعلم، بينما يتولى التعليم الجامعي تنمية قدراته التخصصية والبحثية، ولا يمكن لأي منهما أن يحقق أهدافه بمعزل عن الآخر.
وتقوم هذه الشراكة على معايير واضحة، في مقدمتها توحيد الرؤية الوطنية، ومواءمة المناهج مع متطلبات التعليم الجامعي وسوق العمل، وتطوير برامج إعداد المعلمين بالشراكة بين الكليات التربوية وإدارات التعليم، وتعزيز التدريب الميداني النوعي، وإجراء البحوث التربوية المشتركة لمعالجة التحديات التعليمية، وتبادل الخبرات بين الأكاديميين والممارسين، وإنشاء قواعد بيانات ومؤشرات أداء مشتركة تسهم في اتخاذ قرارات تربوية قائمة على الأدلة وتقييم الأثر بما يحقق التكامل بين النظرية والتطبيق، ويرفع جودة المخرجات التعليمية.
ولعل التجارب الدولية تقدم نماذج ملهمة في هذا المجال. ففي فنلندا تعد كليات التربية من أكثر الكليات تنافسية، ولا يقبل فيها إلا أصحاب الكفاءة العلمية والشخصية المتميزة، مما منح المعلم مكانة رفيعة وجودة عالية في الأداء. وفي سنغافورة ارتبط نجاح التعليم بالاستثمار في إعداد المعلم، والتطوير المهني المستمر وربط التعليم بالابتكار والتنمية الاقتصادية. أما كوريا الجنوبية فقد جعلت التعليم قضية وطنية، وربطت مخرجاته باحتياجات التنمية والاقتصاد المعرفي، فكان التعليم أحد أهم أسباب نهضتها الاقتصادية والعلمية. كما قدمت اليابان نموذجاً فريداً في بناء الإنسان، من خلال ترسيخ قيم الانضباط والمسؤولية والعمل الجماعي، جنباً إلى جنب مع التميز الأكاديمي. وتؤكد هذه التجارب أن قيمة المؤسسات التربوية تقاس بأثرها في بناء مواطن يمتلك المعرفة والقيم والمهارات المستقبلية، وقادراً على المبادرة والتعلم مدى الحياة والإسهام في التنمية الوطنية. فالرهان الحقيقي اليوم ليس على التوسع الكمي في المؤسسات التعليمية، بل على جودة أدائها، وكفاءة كوادرها وفاعلية شراكاتها، وقدرتها على مواكبة التحولات العالمية.
ختاماً يبقى التعليم رهان المملكة العربية السعودية الإستراتيجي لصناعة الإنسان وبناء القدرات فمن مؤسساته تنطلق المعرفة، وتترسخ القيم، وتتولد الابتكارات التي تسهم في تحقيق مستقبل الوطن وفق رؤية 2030م.
ولله الحمد، فقد أسهمت الثروة النفطية في المملكة العربية السعودية خلال العقود الماضية في بناء اقتصاد وطني متين ونهضة تنموية شاملة. واليوم، وفي ظل رؤية المملكة 2030 تتجه المسيرة التنموية نحو مرحلة يكون فيها الإنسان محور التنمية، وتصبح المؤسسات التربوية والتعليمية شريكاً إستراتيجياً في بناء رأس المال البشري واقتصاد المعرفة.



