حوار خاص حول الإرهاب والتطرف والتجنيد الإلكترونى مع أ. د تركى بن عبدالمحسن بن عبيد

حوار : مرفت محفوظ
حوار حول الإرهاب والتطرف والتجنيد الإلكترونى مع أ. د تركى بن عبدالمحسن بن عبيد باحث وأكاديمى ومستشار فى الإدارة والعلوم السلوكية والتنمية المستدامة والأمن الفكرى ومكافحة التطرف
التجنيد الإلكتروني أصبحت المنصات الرقمية اليوم أخطر من الشارع في تجنيد الشباب لصالح التنظيمات الإرهابية؟
نعم، أصبحت البيئة الرقمية إحدى أخطر ساحات الاستقطاب؛ ليس لأنها أخطر من الشارع في كل الحالات، وإنما لأنها تمنح الجماعات المتطرفة قدرة غير مسبوقة على الوصول إلى أعداد كبيرة من الشباب، وبناء علاقة تدريجية معهم بعيدًا عن الرقابة الاجتماعية المباشرة. الهاتف اليوم ليس مجرد وسيلة اتصال، بل قد يتحول إلى بيئة متكاملة للتأثير النفسي والفكري إذا غابت المناعة الفكرية والوعي الرقمي.
من المسؤول عن اكتشاف الشخص الذي يبدأ بتجنيد شاب عبر الإنترنت قبل أن يتحول هذا الشاب إلى عنصر فاعل؟
المسؤولية مشتركة وليست مسؤولية جهاز واحد. تبدأ بالأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام، وتتكامل مع المنصات الرقمية والجهات المختصة أمنيًا وفكريًا؛ والأهم أن يكون التعامل قائمًا على مؤشرات موضوعية وسلوكيات واضحة، وليس على الشك أو الوصم أو مراقبة الأبرياء.
هل التنظيمات الإرهابية طورت أدوات التجنيد الإلكتروني أسرع مما طورت الحكومات أدوات مواجهتها؟
الجماعات المتطرفة تتميز بالمرونة وسرعة التجربة، بينما تتحرك المؤسسات الرسمية ضمن أطر قانونية وإجرائية ضرورية. لذلك فإن التحدي الحقيقي هو بناء استجابة أكثر سرعة وذكاءً، تجمع بين التقنية والتحليل السلوكي والتوعية والوقاية، مع احترام القانون والخصوصية وحقوق الأفراد.
كيف تتحول رسالة أو مقطع فيديو عابر على الإنترنت إلى بوابة لاستقطاب شخص نحو الفكر المتطرف؟
الاستقطاب غالبًا لا يبدأ بفكرة متطرفة مكتملة؛ يبدأ بمحتوى يستثير الغضب أو المظلومية أو الشعور بالعزلة والانتماء، ثم تتكرر الرسائل وتُبنى الثقة تدريجيًا، حتى يصبح المتلقي أكثر استعدادًا لقبول تفسير أحادي ومتطرف للواقع. وهنا تكمن أهمية التدخل المبكر بالتوعية والحوار والتفكير النقدي.
هل نحن أمام جيل جديد من المتطرفين لا يحتاج إلى معسكر تدريب، لأن الهاتف أصبح معسكره؟
هذه العبارة تحمل قدرًا كبيرًا من الدلالة. لم يعد التدريب الميداني شرطًا في جميع أنماط التطرف؛ فقد أصبحت البيئة الرقمية قادرة على نشر الأفكار والتأثير النفسي وصناعة المجتمعات المغلقة. ولذلك يجب أن تكون الوقاية الفكرية والرقمية جزءًا أساسيًا من الأمن المعاصر.
إلى أي مدى تستغل التنظيمات الإرهابية الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لصناعة خطاب تجنيد إلكتروني؟
تستغل التنظيمات المتطرفة الأزمات باعتبارها بيئة خصبة لصناعة المظلومية وتقديم نفسها بصورة زائفة كبديل أو منقذ. ولذلك فإن مواجهة الإرهاب لا تكون أمنية فقط، بل تتطلب معالجة جذور الهشاشة الاجتماعية، وتعزيز الثقة بالمؤسسات، وإتاحة الفرص، وتصحيح المعلومات المضللة.
الخلايا النائمة لا تظهر عادةً إلا بعد وقوع الصدمة؛ فكيف تعرف الأجهزة الأمنية أنها نائمة فعلًا وليست مجرد أفراد متطرفين ينتظرون اللحظة المناسبة؟
لا يمكن بناء الحكم على الانطباع وحده. التمييز يجب أن يعتمد على معلومات موثوقة ومؤشرات سلوكية وأدلة قانونية وتحليل مهني متعدد المصادر. والخطر الحقيقي هو الانتقال من الوقاية المشروعة إلى الاشتباه العام؛ لذلك يجب أن تكون الإجراءات الأمنية دقيقة ومتناسبة وتحت مظلة القانون.
الخطر الأكبر اليوم ليس في التنظيم المعروف وإنما في الذئب المنفرد الذي لا يحتاج إلى توجيه مباشر؟
الذئب المنفرد يمثل تحديًا أمنيًا مختلفًا لأنه قد لا يرتبط تنظيميًا بشكل مباشر. لكن من المهم عدم اختزال الظاهرة في شخص واحد؛ فهناك أحيانًا مسارات رقمية وفكرية واجتماعية تسبق الفعل. ولذلك فإن تحليل السلوك ومؤشرات التحول الفكري والتطرف العنيف أصبح مهمًا بقدر أهمية تتبع التنظيمات التقليدية.
هل يمكن أن تكون هناك خلايا نائمة قادرة على العيش سنوات داخل المجتمع من دون أن تثير الشبهات؟
من حيث المبدأ، قد تسعى بعض الشبكات السرية إلى التخفي لفترات طويلة، لكن لا يجوز افتراض أن كل شخص منعزل أو مختلف يمثل خلية نائمة. الوقاية الفعالة تقوم على الأدلة والتحليل الاستخباراتي والقانوني، لا على الصور النمطية أو الشائعات.
أين تنتهي حدود الأمن الوقائي وأين تبدأ مخاطر الاشتباه في الأبرياء؟
تنتهي حدود الأمن الوقائي عندما يتحول إلى اتهام بلا دليل أو تقييد غير مبرر للحقوق. الأمن الحقيقي لا يقوم على الخوف من المجتمع، بل على حماية المجتمع مع احترام كرامة الإنسان وسيادة القانون. وكلما كان الأمن أكثر مهنية ودقة، كان أكثر قدرة على كسب ثقة المجتمع.
هل تراجع العمليات الإرهابية يعني بالفعل تفكيك الخلايا أم أن بعض التنظيمات نجحت في الانتقال إلى العمل السري طويل المدى؟
تراجع العمليات مؤشر مهم، لكنه ليس وحده معيارًا كافيًا للحكم على انتهاء التهديد. قياس نجاح مكافحة الإرهاب يجب أن يشمل انخفاض التجنيد، وتراجع القدرة على التمويل والاستقطاب، وتراجع انتشار الفكر المتطرف، وارتفاع قدرة المجتمع على اكتشاف المؤشرات المبكرة والتعامل معها.
هل فشلت بعض الحكومات في مواجهة الإرهاب لأنها ركزت على السلاح وتركت معركة الأفكار والتجنيد الإلكتروني؟
أي استراتيجية تعتمد على جانب واحد ستكون ناقصة. الإجراءات الأمنية ضرورية لحماية الأرواح، لكنها لا تعالج وحدها البيئة الفكرية والنفسية والاجتماعية التي قد تنتج التطرف. لذلك نحتاج إلى منظومة متكاملة: أمن، وتعليم، وإعلام، وأسرة، ومؤسسات دينية وفكرية، وتقنية، وصحة نفسية، وتنمية اجتماعية.
من المستفيد سياسيًا من بقاء ملف الإرهاب مفتوحًا واستمرار حالة الخوف داخل المجتمعات؟
قد تستفيد أطراف مختلفة من استمرار الخوف، سواء عبر التوظيف السياسي أو الإعلامي أو الاقتصادي. لكن التعامل العلمي مع هذا السؤال يتطلب أدلة وليس افتراضات. والأهم ألا يتحول ملف الإرهاب إلى أداة لتبرير العنف أو التضليل أو استهداف المجتمعات.
هل الإرهاب اليوم مشروع أمني فقط أم أصبح أيضًا أداة تستخدمها أطراف سياسية لتحقيق أهدافها؟
الإرهاب ظاهرة أمنية وفكرية واجتماعية وسياسية في الوقت نفسه، وقد تحاول بعض الأطراف توظيفه أو استغلال تداعياته لتحقيق مصالحها. لكن يجب التفريق بوضوح بين الإرهاب كفعل إجرامي وبين الخلاف السياسي المشروع، حتى لا يصبح مصطلح الإرهاب أداة لتصفية الخصومات.
هل هناك دول تتحدث عن مكافحة الإرهاب علنًا، بينما تتعامل مع بعض الجماعات الإرهابية أو المتطرفة بمنطق المصالح السياسية؟
العلاقات الدولية تقوم أحيانًا على حسابات معقدة، وقد تظهر ازدواجية في بعض المواقف تجاه الجماعات المسلحة أو المتطرفة. لكن الحكم على دولة أو جهة بعينها يتطلب أدلة موثقة. المبدأ الذي يجب أن يحكم المجتمع الدولي هو عدم توفير التمويل أو السلاح أو الملاذ أو الغطاء السياسي للجماعات التي تمارس الإرهاب.
إلى أي مدى أصبحت الحرب على الإرهاب جزءًا من صراع النفوذ الإقليمي والدولي؟
الإرهاب أصبح بالفعل جزءًا من ملفات الأمن الإقليمي والدولي، ولذلك تتداخل مكافحته أحيانًا مع صراعات النفوذ. لكن المطلوب هو إبقاء الهدف الأساسي واضحًا: حماية الإنسان والمجتمع، ومنع التطرف والعنف، وعدم تحويل مكافحة الإرهاب إلى ذريعة للصراع السياسي.
هل التنظيمات الإرهابية تعمل اليوم باستقلالية أم أن بعضها لا يزال يجد دعمًا أو غطاءً سياسيًا أو ماليًا من جهات خارجية؟
التنظيمات الإرهابية ليست نمطًا واحدًا؛ تختلف مصادر تمويلها وهياكلها وارتباطاتها. وقد تظهر في بعض الحالات شبكات تمويل أو دعم خارجي، ولذلك فإن مكافحة الإرهاب تتطلب تجفيف مصادر التمويل، وتعزيز التعاون الدولي، وملاحقة الشبكات الداعمة وفق الأدلة والقانون.
عندما نكتشف خلية نائمة، هل السؤال الحقيقي هو: من أعضاؤها؟ أم من جنّدهم ومولهم ووجّههم؟
السؤالان مهمان، لكن التحقيق الأكثر عمقًا يجب ألا يتوقف عند الأعضاء. يجب فهم سلسلة الاستقطاب: من أين بدأت الفكرة؟ من قام بالتجنيد؟ كيف تم التمويل؟ وما هي قنوات التواصل والتوجيه؟ تفكيك الشبكة أهم من التعامل مع نقطة واحدة منها.
هل نحن أمام إرهاب جديد لا يحتاج إلى أرض يسيطر عليها، لأن ساحته الحقيقية أصبحت عقول الناس وشاشات هواتفهم؟
نعم، نحن أمام تحول مهم في طبيعة التهديد. لم تعد السيطرة على الأرض شرطًا لبناء التأثير؛ فالمجال الرقمي يوفر للتنظيمات المتطرفة مساحة للتواصل والدعاية والاستقطاب. ولذلك أصبحت حماية الوعي والعقل جزءًا أصيلًا من مفهوم الأمن الوطني.
إذا كان التنظيم الإرهابي يستطيع الوصول إلى شاب داخل منزله بضغطة زر، فهل تستطيع الدولة الوصول إلى هذا الشاب بالسرعة نفسها؟
الدولة تستطيع، لكن ليس من خلال الأمن وحده. يجب أن تصل إليه الأسرة بالتربية، والمدرسة بالمعرفة، والجامعة بالحوار، والإعلام بالمحتوى المهني، والمنصات الرقمية بالمسؤولية، والجهات المختصة بالوقاية المبكرة. المنافسة الحقيقية ليست على سرعة الوصول فقط، بل على جودة الرسالة وصدقها وقدرتها على بناء الثقة.
متى نعرف أن المعركة مع الإرهاب انتهت فعلًا: عندما تتوقف العمليات، أم عندما يتوقف التجنيد؟
توقف العمليات إنجاز أمني مهم، لكن نهاية الخطر بصورة مستدامة ترتبط بتراجع القدرة على التجنيد وإعادة إنتاج الفكر المتطرف. عندما يصبح المجتمع أكثر مناعة فكريًا، ويضعف خطاب الكراهية، وتتراجع قدرة التنظيمات على استقطاب الشباب، نكون أمام انتصار أكثر استدامة.
ومن دون مواجهة فكرية وإعلامية وتعليمية شاملة، أليس القضاء على خلية اليوم مجرد تأجيل لظهور خلية جديدة غدًا؟
صحيح أن المعالجة الأمنية وحدها لا تكفي. القضاء على الخلية يعالج خطرًا قائمًا، بينما المواجهة الفكرية والتعليمية والإعلامية تعالج البيئة التي قد تسمح بإعادة إنتاج التطرف. لذلك فإن الوقاية يجب أن تسبق التجنيد، لا أن تنتظر وقوع الجريمة.
هل تغير شكل الإرهاب فعلًا أم أننا ببساطة لم نعد نراه بالطريقة التي اعتدنا عليها؟
تغير الشكل والوسيلة معًا. انتقل جزء من النشاط من الهياكل المركزية إلى شبكات أكثر مرونة، ومن التجنيد التقليدي إلى التأثير الرقمي، ومن السيطرة الميدانية إلى التأثير الفكري والنفسي. ولهذا فإن تعريفنا للأمن يجب أن يتطور مع تطور طبيعة التهديد.
كيف سيطرت المملكة على الإرهاب والتطرف الفكري؟
المملكة العربية السعودية تبنت مقاربة متعددة الأبعاد في مواجهة الإرهاب والتطرف، جمعت بين العمل الأمني والوقائي والفكري والإعلامي والتأهيلي. ومن أهم عناصر هذه المقاربة: مكافحة تمويل الإرهاب، وتطوير القدرات الأمنية، وتعزيز الوعي الفكري، وبرامج المناصحة وإعادة التأهيل، والتعاون الدولي، ومواجهة الخطاب المتطرف، إضافة إلى الدور المتنامي للمؤسسات التعليمية والإعلامية والثقافية.
والدرس الأهم هو أن مكافحة الإرهاب ليست عملية أمنية مؤقتة، وإنما منظومة وطنية مستمرة لحماية الإنسان والمجتمع والفكر.
من وجهة نظرك، هل الإعلام قام بدوره الفعال في مكافحة الإرهاب؟
الإعلام شريك أساسي، وقد حقق نجاحات مهمة في كشف خطاب التنظيمات المتطرفة وتصحيح المعلومات ومواجهة الدعاية الإرهابية. لكن المطلوب اليوم هو إعلام أكثر تخصصًا؛ لا يكتفي بتغطية العملية الإرهابية بعد وقوعها، بل يفهم آليات الاستقطاب ويقدم محتوى قادرًا على تفكيك خطاب التطرف دون إعادة إنتاجه بصورة تخدمه.
الإعلام الناجح في مكافحة الإرهاب لا يضخم الخوف، وإنما يبني الوعي والثقة والمناعة المجتمعية.
نبغى نصيحة منك لشباب اليوم، رجال المستقبل؟
رسالتي للشباب واضحة: لا تسمحوا لأحد أن يختصر عقولكم في مقطع أو منشور أو حساب مجهول. تحققوا من المعلومات، واسألوا، واقرؤوا، واختلفوا باحترام، ولا تجعلوا الغضب يقود قراراتكم.
المستقبل لا يصنعه من يرفع صوته أكثر، بل من يمتلك علمًا ووعيًا وأخلاقًا وقدرة على التفكير. كونوا أصحاب قضية، ولكن اجعلوا العلم والقانون والإنسانية طريقكم لتحقيقها.
في ختام اللقاء، ما الرسالة التي توجها للعالم؟
رسالتي إلى العالم هي أن مواجهة الإرهاب ليست معركة بين ثقافات أو أديان أو شعوب، وإنما مواجهة مشتركة ضد العنف والتطرف والكراهية واستغلال الإنسان.
علينا أن ننتقل من رد الفعل إلى الوقاية، ومن مواجهة الرصاصة إلى مواجهة الفكرة التي تقود إليها، ومن معالجة النتائج إلى فهم الجذور.
وأؤمن أن الاستثمار الحقيقي في مكافحة الإرهاب يبدأ من الإنسان: بتعليمه، وحمايته فكريًا، وتعزيز قيم التسامح والمسؤولية، ومنحه الأمل والفرصة والمستقبل.
إن العالم الذي ينجح في حماية عقول شبابه، هو العالم الذي ينجح في حماية مستقبله.



