الصدى الأدبي

نقطة وصول واحدة

د. هند خليل مروان
مدير معهد التدريب والتدريس بأكاديمية الإمام النووي للدراسات الإسلامية والعربية

بين جموح الرغبة وصرامة الواقع، يخوض الإنسان حربه الصامتة الأكثر إنهاكًا؛ حرباً لا دويّ فيها ولا صداح، بل نزيفٌ داخليٌّ يستهلك الطاقات في سبيل تحقيق غايةٍ واحدة: “التوازن”؛ حيث ​تتجلى هذه المعاناة حينما تنفصل أمنيات الفرد وطموحاته عن التفاصيل اليومية لواقعه المُعاش.

إنها الفجوة المظلمة بين “ما نريده بشغف” و”ما يتطلبه منا البقاء” في هذه المساحة الرمادية، يتولد استنزافٌ نفسيٌّ حاد، يفرض على المرء أن يبذل جهداً مضاعفاً كي لا تسقطه إحدى الكفتين؛ كفة الأحلام المتخيلة، أو كفة المقتضيات الحتمية.

​إن هذا الانفصام بين الرغبة والواقع ليس مجرد اضطراب عابر، بل هو حالة من الانفصام الوجودي؛ حيث يحلق العقل في سماء الإمكانات، بينما تنغرس الأقدام في طين الالتزامات. هذا التناقض يدفع الفرد إلى ممارسة دورين متناقضين في آنٍ واحد:
•​الذات الحالمة: المتمردة التي ترفض القيود، وتسعى خلف شغفها الحر دون اعتبار للظروف.
•​الذات الممتثلة: العقلانية التي تتكيف مع إكراهات الحياة اليومية، وتؤدي واجباتها المستمرة.

إن ​السعي لإمساك العصا من المنتصف بين هذين القطبين المتضادين يحول الحياة إلى حبل مشدود؛ كل خطوة تتطلب تركيزاً حاداً وطاقة هائلة؛ فالمعافرة للتعايش مع واقع لا يلبي الرغبات- دون السقوط في بئر الإحباط- تشبه التجديف عكس التيار؛ تستهلك الشدة النفسية، وتستنفد الصبر، وتترك الروح في حالة إنهاك دائم.
​غير أن هذا الجهد الشديد، رغم مرارته، هو المحاولة الأخيرة للحفاظ على الاتزان العاطفي والفكري.
إنه الدفاع الشرعي عن النفس ضد النهوض على أوهام حالمة تؤدي للضياع، أو الاستسلام الكامل لواقع جاف يغتال الهوية.
​تظل المقاومة والحفاظ على هذا التوازن الجسيم هي البطولة الحقيقية؛ أن تحمل شغفك في قلبك، وتسير بقدميك في طريق شائك ، متأملاً راجيا أن يتلقي الطريقان يوماً ما عند نقطة وصول واحدة..
وكما يقول كارل يونغ (من كتاب “التنكيل بالذات والتفرّد” / The Development of Personality):
​”إن أقسى صراع يخوضه الإنسان ليس مع العالم الخارجي، بل بين أجزاء ذاته المتصارعة؛ بين ما يطمح أن يكونه، وما يفرضه عليه الواقع أن يكونه.
والتوازن النفسي ليس حالة من الراحة، بل هو عمل جبار لمسك الأضداد.”

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى