حنان بلخي.. ترشيح سعودي لقيادة استراتيجية للصحة العالمية.

بقلم: البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي
أستاذ جامعي سابق ـ مستشار وباحث في التخطيط الاستراتيجي والقيادة.
لم يعد الحضور السعودي في المنظمات الدولية قائماً على المشاركة أو الدعم المالي والإنساني فحسب بل يتجه بصورة متزايدة نحو المشاركة في صناعة القرار الدولي، وتقديم الكفاءات السعودية القادرة على قيادة المؤسسات العالمية.
ومن هذا المنطلق يأتي ترشيح المملكة العربية السعودية للدكتورة القديرة حنان بلخي لمنصب المدير العام لمنظمة الصحة العالمية للفترة المقبلة، بوصفه خطوة ذات دلالة استراتيجية تتجاوز ترشيح شخصية سعودية لمنصب دولي فهو يعكس تطور الدور السعودي في منظومة الصحة العالمية، وما أكتسبته المملكة من خبرات وتجارب وشراكات في هذا المجال.
الدكتورة حنان بلخي طبيبة أطفال ومتخصصة في الأمراض المعدية، وتدرجت في مسيرتها المهنية بين العمل الطبي والصحة العامة والبحث والقيادة التنفيذية.
بدأت مسيرتها في القطاع الصحي السعودي، وتولت مسؤوليات متقدمة في مجال الوقاية من العدوى ومكافحتها، وأسهمت في التعامل مع ملفات صحية وأوبئة، من بينها متلازمة الشرق الأوسط التنفسية كورونا «ميرس». ثم انتقلت إلى منظمة الصحة العالمية في جنيف عام 2019، وتولت منصب مساعدة المدير العام لشؤون مقاومة مضادات الميكروبات، قبل أن تتولى قيادة إقليم شرق المتوسط، لتصبح أول امرأة تشغل منصب المديرة الإقليمية للمنظمة في الإقليم.
وهذه المسيرة من الميدان الصحي السعودي إلى العمل الدولي تمنح ترشيحها بُعداً مهنياً مهماً ، وتجعلها تمتلك معرفة مباشرة بالتحديات الصحية في المنطقة إلى جانب خبرة العمل داخل منظمة الصحة العالمية.
و يمكن قراءة الترشيح السعودي في إطار توجه أوسع للمملكة نحو تعزيز حضورها في القضايا الدولية التي تمتلك فيها خبرة وقدرة على الإسهام.
والصحة العالمية واحدةٌ من هذه المجالات فالمملكة تمتلك تجربة واسعة في إدارة المنظومات الصحية، والوقاية من الأمراض، والتعامل مع الأزمات الصحية، وإدارة الحشود والمواسم الكبرى، إضافة إلى إمكانات مادية وعلمية يمكن توظيفها في دعم الأمن الصحي العالمي.
وقد ظهر هذا الدور بوضوح خلال جائحة كوفيد-19، عندما أعلنت المملكة في عام 2020، خلال رئاستها لمجموعة العشرين، تعهداً بقيمة 500 مليون دولار لدعم الاستجابة العالمية للجائحة، وخصصت أكثر من 90 مليون دولار لمنظمة الصحة العالمية لدعم جهودها في مواجهة الأزمة.
وهذا يعكس أن الدور السعودي في الصحة العالمية لم يبدأ مع ترشيح الدكتورة حنان، وإنما يأتي الترشيح امتداداً لمسار من الدعم والشراكة والعمل الدولي.
ومن الدعم هذا إلى المشاركة في صناعة القرار تأتي أهمية الترشيح الذي لا يهدف إلى الوصول لمنصب دولي فحسب، وإنما في دور المنلكة إمكانية انتقالها من دور الداعم والشريك إلى دورٍ أكثر حضوراً في صياغة السياسات الصحية العالمية.
فالعالم يواجه اليوم تحديات صحية معقدة من الأوبئة والأمراض المعدية إلى مقاومة مضادات الميكروبات، وضعف الأنظمة الصحية في بعض الدول، والأزمات الإنسانية، وضعف الوصول إلى الخدمات الصحية.
وهذه التحديات تحتاج إلى قيادة تمتلك المعرفة العلمية، والخبرة التنفيذية، والقدرة على بناء الشراكات بين الدول والمؤسسات الدولية.
ومن هذا المنطلق ، يمكن أن يمثل وجود كفاءة سعودية في قيادة منظمة الصحة العالمية فرصة لتعزيز التعاون الدولي في مجالات الوقاية، والاستعداد للأوبئة، وبناء القدرات الصحية، ومساعدة الدول الأقل قدرة على تطوير أنظمتها الصحية.
إن المملكة، وهي تعمل على تنويع حضورها الدولي، تمتلك فرصة مهمة في المجال الصحي تحديداً .
فالتجربة السعودية في إدارة الحشود خلال مواسم الحج والعمرة، وتطوير الخدمات الصحية، والاستجابة للأمراض المعدية، وإدارة الأزمات الصحية، يمكن أن تقدم خبرات ذات قيمة للدول الأخرى.
كما أن المساهمة السعودية يمكن أن تشمل المعرفة، والخبرات، والتدريب، وبناء القدرات، ونقل التجارب.
وهذا هو التحول الأهم: أن تصبح المملكة شريكاً في إنتاج الحلول الصحية العالمية
وعموماً فإن هذا المنصب يخضع لمسارٍ انتخابي دولي وتنافس بين مرشحين، لكن وصول كفاءةٍ سعودية إلى المنافسة على قيادة منظمة الصحة العالمية يمثل في حد ذاته تطوراً مهماً في الحضور السعودي الدولي ، وترشيح يحمل رسالة ، ويعكس انتقال المملكة من دعم الجهود الصحية العالمية إلى الإسهام في صياغة سياساتها وصناعة قراراتها
والدكتورة حنان بلخي تدخل هذه المنافسة بخبرةٍ تمتد من الممارسة الطبية والصحة العامة إلى القيادة الإقليمية والعمل الدولي، وهو ما يجعل ترشيحها قائمًا على الكفاءة والقدرة والخبرة والتجربة، وليس على البعد الرمزي وحده.
وفي تقديري، فإن أهمية هذا الترشيح تتجاوز شخص الدكتورة حنان ونتيجة الانتخابات؛ فهو يعكس توجهاً سعودياً نحو توسيع دائرة التأثير الدولي في الملفات التي تمس حياة الإنسان مباشرة.
ومن هنا، فإن دعم المملكة للصحة العالمية يمكن أن يأخذ في المرحلة المقبلة صورةً أكثر تكاملاً وخبرةٌ عند الطلب، وشراكات طويلة المدى، وكفاءات سعودية تشارك في صناعة القرار الدولي.
وهذا ما يجعل ترشيح الدكتورة حنان بلخي جديراً بالاهتمام؛ فهو ليس مجرد ترشيح سعودي لمنصب عالمي بل خطوة في مسار بناء حضور سعودي أكثر تأثيراً في مستقبل الصحة العالمية.



