مقالات و رأي

شرارُ العُيون.. وَنيرانُ الحَسَد

الإنارة رقم (13) ( إنارة في الظلام )

إعداد وتقديم : الأستاذ/ عبدالله بن سعود الأحمدي
“لم تكن العين يوماً مجرد نافذة نرى بها العالم، بل هي أحياناً مرآة لِما يغلي في أعماق النفس من وجدٍ أو وجع، أو.. ضغينة. حين تنطفئ في القلب غبطة الخير للآخرين، تتحول النظرات العفوية إلى سهام مسمومة، وينطلق من مآقيها شرارٌ خفي لا يحرِق المحسود فحسب، بل يلتهم قبل ذلك سلام الحاسد ونقاء روحه. إن الحديث عن الحسد ليس ضرباً من الخرافة، بل هو رصدٌ لظاهرة نفسية واجتماعية تذيب عرى العلاقات، وتحيل المودة إلى رماد تذروه رياح الأنانية.”
لا يولد الحسد دفعة واحدة، بل يتسلل إلى النفس عند غياب الرضا من خلال مقارنة عابرة تحول الغبطة النقية إلى ضغينة تسعى لزوال النعمة. يظهر هذا التحول عندما ينظر الصديق إلى ترقية زميله بحسد بدلاً من الفرح له، متمنياً سقوطه نتيجة فقدان الرضا.
الحاسد في حقيقته إنسان يعيش في سجن من صنع يده؛ فهو لا يحترق لشرٍّ رآءه، بل يحترق لخيرٍ أصاب غيره. ومن هنا فإن نيرانه ترتد عليه أولاً، فتأكل سلامه النفسي وصحته الإيمانية قبل أن تصيب الشخص الشاخص أمامه.
ويصوّر القرآن الكريم بدقة تلك الحالة النفسية المزرية التي يعيشها الحاسد من الغيظ والكمد الذي يكاد يقتله، وذلك في قوله تعالى في سورة آل عمران:
﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [آل عمران: 120]، ثم يبين سبحانه في موضع آخر من السورة نفسها كيف يأكل هذا الغيظ صاحبه فيقول: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: 119
أما من الناحية الروحية والإيمانية، فإن الحسد يلتهم حسنات صاحبه تماماً كما تفعل النار بالحطب، وفي هذا يقول النبي ﷺ في الحديث الشريف:] إ يَّاكُمْ وَالْحَسَدَ، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ» [أبو داود. تشبيهاً بليغاً يتوافق تماماً مع عنوان مقالنا (نيران الحسد)؛ فالنار تبدأ باشتعال حطبها وتدميره أولاً، وهكذا الحاسد، تبدأ نار حسده بإحراق دينه، وتدمير حسناته، وتبديد طاعاته، فيصبح في نهاية المطاف مفلساً من الأجر ومن راحة البال.
• يمتد “الشرار الاجتماعي” للحسد ليتجاوز صدر الحاسد، فيصبح معول هدم يتسلل إلى أقدس الروابط الإنسانية، محولاً بؤر الأمان إلى ساحات للصراع الرمادي. عندما يغيب الرضا وتشتعل نيران المقارنة، تفقد المجتمعات الصغيرة تماسكها.
– في محيط الأسرة والأقارب: تفحّم صلة الرحم تبنى الأسر على التكافل والتلاحم لكن الحسد يحوّل تجمعات الأقارب من مساحات للمودة إلى حلبات للمقارنة الصامتة التي تنتهي بالقطيعة.
مثال واقعي (النجاح الدراسي والمهني): في أوساط العائلات الممتدة، قد يتميز أحد الأبناء بتفوق دراسي باهر أو يحصل على وظيفة مرموقة. وبدلاً من أن يكون هذا النجاح فخراً للعائلة، يتسلل الحسد إلى قلوب بعض الأقارب. يبدأ الأمر بـ “الانسحاب الصامت” من المناسبات، ثم يتطور إلى إطلاق الإشاعات والتقليل من جهد هذا الشاب (كادعاء الواسطة)، وينتهي الأمر بنشوء “أحزاب” داخل العائلة الواحدة، حيث تقاطع عائلات بأكملها عائلة أخرى لمجرد أن الله رزقهم من فضله، فتنقلب صلة الرحم إلى جفاء ممتد لسنوات.
مثال واقعي (الزواج والاستقرار): تميز زوجين بالاستقرار والمودة الظاهرة قد يثير نيران الحسد لدى قريب يعاني من تعثر أسري. تترجم هذه النيران في شكل نصائح مسمومة وتدخلات بحجة “المصلحة”، تهدف بالدرجة الأولى إلى زعزعة الثقة بين الزوجين، حتى يتحول البيت المستقر إلى ساحة من الخلافات غير مبررة.
– في بيئة العمل: تسميم الإنتاجية واغتيال الكفاءات
بيئة العمل هي الأرض الخصبة للمنافسة، ولكن عندما تتحول المنافسة الشريفة إلى حسد، تصبح البيئة “سامة” وطاردة للإبداع.
مثال واقعي (ترقية الكفاءة): عندما يحصل موظف مجتهد على ترقية مستحقة بناءً على أرقامه وإنجازاته، قد يشتعل الحسد في قلوب زملائه الأقدم أو الأقل عطاءً. يترجم هذا الحسد إلى سلوكيات تدميرية داخل المنظمة؛ مثل إخفاء المعلومات الحيوية عنه لتعطيل مشاريعه، أو تعديل ” قراراته للأسوأ أمام الإدارة، وربما التوقف عن التعاون معه كفريق. هذا الشرار لا يضر الموظف الناجح فحسب، بل يضرب إنتاجية المؤسسة ككل، ويحول مكان العمل من بيئة إنجاز إلى مستنقع من المؤامرات والدسائس اليومية.
مِطفأة النيران.. كيف ننجو؟ النجاة من نيران الحسد تتطلب إطفاء جمرها في القلوب أولاً، وتحصين الأنفس من شرارها ثانياً، وذلك عبر مسارين متكاملين:
• الوقاية الروحية والنفسية: تبدأ بركيزة الرضا بالقضاء؛ فالحاسد معترضٌ على قسمة الله، والرضا يورث سلامة الصدر. ويصاحب ذلك التحصين بالأذكار والقرآن، مع الكتمان الذكي للمنجزات والاستعانة على قضاء الحوائج بالسر والكتمان دون مبالغة في الخوف.
• نشر ثقافة التبريك: إحلال “الغبطة” مكان “الحسد” عبر تدريب اللسان والعين على الدعاء بالبركة عند رؤية نعم الآخرين (قول: “ما شاء الله، بارك الله له”)؛ فالدعاء للغير بالبركة تجلب للمباركِ ملكاً يقول له: “ولك بمثل”، فتتحول نيران الضغينة إلى أنوار مودة تُحيي المجتمع.
وفي ختام هذا الطواف بين ظلال النفوس، ندرك أن “شرار العيون” لا ينطفئ بخصومة الآخرين، بل بسلامة الصدر، وأن أثمن ما يملكه المرء في رحلة العمر هو قلبٌ نقيّ لا يغلي بالحسد، ولا يأكله الكمد. إن النعمة تفِيضُ حُسناً حِين تَمُرّ بـأعينٍ تذكر الله، وتدعو بالبركة، وتفرح لخير العباد كأنما سِيقَ إليها.
فاللهم يا مالك القلوب، طهر قلوبنا من درن الحسد، ومآقينا من شرار النظرات، واجعل أنفسنا مطمئنة برزقك، راضية بقضائك،
وأخيرا: لتكن أعيننا شواهد حب، ولتلهج ألسنتنا بالتبريك، فما انطفأت نيران الحسد في مجتمعٍ إلا وأشرقت فيه أنوار الطمأنينة، وعاش أهله في رغدٍ من الألفة والوئام.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى