مقالات و رأي

القيادة الأكاديمية والإستراتيجية: متابعة قاعات الدرس مسؤولية تنفيذية لضمان جودة التعليم.

بقلم: البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي
أستاذ جامعي سابق ـ مستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي والقيادة.
سألني بعض الزملاء الأكاديمين: بصفتك قائداً أكاديمياً، وتدرجت في المناصب القيادية من رئيس قسم، ثم وكيلاً للشؤون التعليمية، ثم عميداً لكلية جامعية لِفترات متعددة، فهل ترى أن متابعة سير العملية الأكاديمية والتعليمية إجراء مناسب ويليق بمؤسسة تعليمية؟
كان السؤال في ظاهره إدارياً لكنه في حقيقته سؤال عن مفهوم القيادة الأكاديمية ومسؤوليتها تجاه جودة التعليم.

وأجبتهم بأن الجامعة مؤسسة تعليمية قبل أن تكون مؤسسة إدارية، وأن أهم ما يحدث فيها لا يحدث في المكاتب، وإنما في قاعات الدرس؛ حيث يلتقي الأستاذ بالطالب، وتتحول الخطط والمناهج والبرامج إلى تعلم حقيقي.

لذلك فإن متابعة سير العملية الأكاديمية والتعليمية ليست إجراء استثنائياً، ولا ينبغي النظر إليها باعتبارها نوعاً من التفتيش على أعضاء هيئة التدريس، وإنما هي جزء من الحوكمة الأكاديمية والقيادة التنفيذية الرشيدة متى ما تمت وفق معايير واضحة، وبآليات وإجراءات مؤسسية تحفظ للأستاذ مكانته واستقلاله الأكاديمي.
فالقيادة العليا للجامعة ليست مطالبة بأن تتحول إلى جهاز تفتيش يومي يتابع حضور كل دكتور أو محاضر في كل محاضرة، لكنها في المقابل لا تستطيع أن تكون بعيدة عن العملية التي تمثل جوهر رسالة الجامعة.
وهنا يظهر الفرق بين الإدارة التشغيلية والقيادة الإستراتيجية.

المتابعة اليومية يمكن أن تبدأ من رئيس القسم، ثم وكيل الكلية، وعمادة الكلية والجهات المختصة بالشؤون التعليمية والجودة؛ أما الإدارة العليا فدورها أن تضع السياسات والمعايير، وتتابع المؤشرات، وتقرأ النتائج، وتتدخل عندما تكشف البيانات عن خلل متكرر أو قصور مؤسسي.

وهذا الأسلوب ليس بعيداً عن الممارسات الجامعية الحديثة. ففي بعضذالجامعات توجد سياسة للملاحظة الصفية تتيح ملاحظة أعضاء هيئة التدريس بصورة دورية، مع تقديم تغذية راجعة والاستفادة من نتائج الملاحظة في تطوير العملية التعليمية. كما توجد في جامعات أخرى داخل المملكة آليات رسمية لمتابعة حضور أعضاء هيئة التدريس وتنفيذ المحاضرات ورفع التقارير للمستويات الأكاديمية المختصة.

وعالمياً، تتبنى جامعات مرموقة مثل هارفارد وUCLA وجامعة مانشستر في المملكة المتحدة ممارسات تتعلق بمتابعة العملية الصفية والملاحظة التعليمية، لكن الهدف لا يقتصر على التأكد من وجود الأستاذ في القاعة، وإنما يمتد إلى تحسين التدريس وتطوير أداء عضو هيئة التدريس ورفع جودة تعلم الطالب.

وهنا ينبغي أن نتوقف عند نقطة مهمة: الحضور ليس هو الجودة.
فوجود الأستاذ في القاعة شرط أساسي، لكنه لا يكفي للحكم على جودة العملية التعليمية. ولذلك فإن القيادة الأكاديمية المؤسسية الواعية لا تكتفي بالسؤال: هل حضر الأستاذ؟ بل تبحث في منظومة أوسع: هل نُفذت المحاضرات؟ هل تحققت مخرجات التعلم؟ هل كان التدريس فاعلاً؟ هل تفاعل الطلاب؟ وهل توجد مؤشرات على تحسن مستوى التعلم؟

إن الانتقال من متابعة الحضور إلى متابعة جودة التعليم هو في حد ذاته انتقال من الإدارة التقليدية إلى القيادة الأكاديمية الإستراتيجية.

ومن واقع التجربة، فإن أفضل أنظمة المتابعة ليست تلك التي تجعل الأستاذ يشعر بأنه تحت المراقبة، وإنما تلك التي تجعل الجميع يعرفون أن هناك معايير مؤسسية عادلة تنطبق على الجميع.

فالجامعة تستطيع اليوم، من خلال أنظمتها الإلكترونية، بناء لوحة مؤشرات أكاديمية تتابع تنفيذ المحاضرات، وحالات الإلغاء والتعويض، والالتزام بالعبء التدريسي، ونتائج الملاحظة الصفية، وتقييم الطلاب، ومؤشرات التعثر والنجاح.

وبذلك لا يحتاج رئيس الجامعة إلى الدخول في التفاصيل التشغيلية اليومية إذ تصله الصورة الإستراتيجية من خلال البيانات والمؤشرات.

إن القيادة التنفيذية الناجحة لا تدير كل التفاصيل لكنها تضمن ألا تضيع التفاصيل التي تؤثر في النتائج.

ولهذا فإن متابعة العملية الأكاديمية ليست انتقاصاً من استقلال الأستاذ الجامعي كما أن الاستقلال الأكاديمي لا يعني غياب المساءلة المهنية. صحيح أن للأستاذ حريته العلمية والأكاديمية ولكن وفي المقابل عليه مسؤولية تجاه المقرر والطالب والساعات التعليمية التي أقرتها الجامعة.

ومن هنا أرى أن السؤال المهم ليس هل ينبغي للإدارة العليا أن تتابع القاعات الدراسية؟
بل السؤال الأهم هو هل تمتلك الجامعة نظاماً مؤسسياً يضمن أن ما خُطط له في الخطة الدراسية يُنفذ فعلياً، وأن الطالب يحصل على التعليم الذي التزمت به الجامعة؟

إذا كانت الإجابة نعم فقد نجحت القيادة في بناء منظومة متابعة حقيقية.
أما إذا أصبحت المتابعة مجرد جولات تفتيشية، فإنها قد تحقق حضوراً شكلياً لكنها لن تحقق بالضرورة تعلماً حقيقياً.

فالقيادة الأكاديمية لا تقاس بقدرتها على اكتشاف من غاب عن المحاضرة، وإنما بقدرتها على بناء مؤسسة تجعل الالتزام والجودة والمساءلة ثقافة مؤسسية مستدامة.

وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال القيادي هل حضر الدكتور؟ فقط، وإنما ماذا تعلم الطالب؟
وهل نفذت الجامعة ما وعدته به؟
وهنا تحديداً تتحول متابعة قاعات الدرس من إجراء إداري إلى قرار إستراتيجي، ومن مراقبة للحضور إلى ممارسة حقيقية لضمان جودة التعليم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى