أذواق الشعوب في طعامها

بقلم : أحمد القاري
التراث الشعبي العالمي مليء بالمأكولات، على اختلاف الأذواق، وهو ثقافة تميز كل مجتمع، ومن الضروري الحفاظ على جودة الطعام للحصول على جودة العافية.
ثمة أشياء في حياة الإنسان لا تُكتب في الكتب، ولا تُحفظ في المتاحف، لكنها تنتقل من جيل إلى جيل كما تنتقل الملامح واللغات والذكريات، ومن بينها (المائدة) .. فالمائدة ذاكرة الأمم، وملامح البيئة، وميراث الأجداد، فتجد في طبق طعام قليل قصةَ قرية، وفي رائحة التوابل الزكية ذكرى الأمهات، ولهذا فإن التراث الغذائي لا يمكن اعتباره هامشاً من هوامش الثقافة، بل هو أحد وجوهها الحية.
لكل أرض مذاقها، ولقد صنعت البيئة الإنسان كما صنع الإنسان بيئته.. فالأرض التي تكثر فيها الحبوب صنعت أنماطاً مختلفة من الخبز والأطعمة، والسواحل جعلت الأسماك والمأكولات البحرية رأس موائدهم، والصحارى علمت الإنسان كيف يقتصد بقليل الزاد، ويؤمن من التمر واللبن والحبوب غذاء وحياة.
ولذلك نجد في المملكة العربية السعودية تنوعاً كبيراً في المأكولات الشعبية، تبعاً لاختلاف المناطق والبيئات، ففي نجد نجد الجريش، والقرصان، والمطازيز، والمرقوق، والكليجا، والقهوة السعودية والتمر من أبرز رموز الضيافة.
وفي الحجاز نجد تنوعاً هائلاً للأطعمة بحكم تمازج الأعراق، فنجد السليق، والكابلي، والبخاري، والمنتو، واليغمش، والفول، والمعصوب، والسمك برز الصيادية، فضلاً عن أطباق ارتبطت بالمدن الساحلية والحركة التجارية القديمة، وخاصة في المدينة المنورة، نجد حضوراً للتمر ومشتقاته، وألواناً من الأطعمة التي تأثرت بتنوع السكان والحجاج والزوار الذين تعاقبوا على المنطقة عبر القرون، فكانت المائدة الحجازية مزيجاً من المحلي والوافد، وحتى المشروبات تحمل شيفرة المكان؛ فإلى جانب القهوة السعودية، عرف الناس السوبيا والسحلب والشاي بالنعناع والدوش والعطرة، والكركديه، ومشروبات شعبية أخرى تختلف من منطقة إلى أخرى.
وفي المنطقة الجنوبية تظهر أطعمة ذات طابع خاص ومذاق لا تقاومه الحواس، مثل العريكة، والعصيدة، والدغابيس، والحنيذ، والمندي، بينما تمتاز جازان بأطباق خرافية بحرية وزراعية متنوعة، ومن بينها المغش، والمفالت، والحيسية، والمرسه، والسمك المطبوخ بطرائق محلية متعددة وأجودها الميفا.
أما المنطقة الشرقية وسواحل الخليج، فقد طبع البحر بصمته الواضحة على المائدة، فحضر المكبوس (المچبوس) والأرز بالسمك الزبيدي وغيرها من الأطباق التي تعكس العلاقة القديمة بين الإنسان والبحر، حتى أصبحت المائدة السعودية سجلاً جغرافياً واجتماعياً عظيماً ، فالطعام يخبرنا عن اقتصاد واستهلاك الأولين.
ومن السعودية إلى العالم العربي الذي يكاد يكون معرضاً مفتوحاً لفنون الموائد :
ففي مصر نجد الكشري، والفول والطعمية، والملوخية، والفتة، والمحشي، والممبار، والطرب، والحواوشي، وهي أطعمة من الذاكرة المصرية.
وفي بلاد الشام نجد المقلوبة، والمنسف، والكبة، والتبولة، والفتوش، والتسقية، والمحاشي، ولكل طبق منها حكاية وطريقة إعداد وارتباط بالمناسبات والعائلة.
وفي العراق نجد المسكوف، والدولمة، والتشريب، وهي أطباق ارتبطت بتاريخ طويل من الحضارات التي قامت على ضفاف دجلة والفرات.
وفي اليمن تحضر السلتة، والفحسة، والمندي، والزربيان، والعقدة، وتتميز المائدة اليمنية باستخدام واسع للتوابل والبهارات وطرائق الطبخ التي تناسب البيئة المحلية.
وفي المغرب العربي نجد الكسكس، والطاجن، والحريرة، والبسطيلة، بينما تشتهر الجزائر بأطباق مثل الشخشوخة، والكسكس، والرشتة، وفي تونس نجد الكسكسي، والبريك، واللبلابي وغيرها.
وفي السودان نجد العصيدة، والقراصة، والكسرة، إلى جانب أطعمة ومشروبات شعبية متنوعة، بينما تمتاز موريتانيا وليبيا وسائر بلدان المغرب والمشرق العربي بألوان أخرى من المأكولات التي تعكس بيئاتها وتاريخها.
وإذا انتقلنا إلى المشروبات، وجدنا الحكاية نفسها:
الشاي بالنعناع المغربي، وشاهي الصحراء (أتاي) والقهوة العربية، والكركديه في مصر والسودان، والسوبيا في الحجاز، والجلاب في بلاد الشام.
إنها مائدة عربية واسعة، لكنها ليست متشابهة.. وهنا تكمن الروعة.. فالطعام لغات لا تحتاج إلى ترجمان، فلربما تجهل لغة من يجلس أمامك، وقد تختلف معه في العادات وطريقة الحياة، لكنك تستطيع أن تؤاكله، وتتذوق طبقه، وتتفقان في الطعم، وهنا يبدأ التعارف الحقيقي.
فالقرآن الكريم لم يجعل اختلاف الشعوب سبباً للتنازع، وإنما قال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ والتعرف على ثقافة الآخر يبدأ من أبسط الأشياء (المـائدة).. فمن منا يملك الحق في إعلان أن ذوقه هو الحقيقة المطلقة؟ إن الاختلاف في المذاق طبيعي، بل جميل.. وليس مطلوباً منك أن تحب كل طعام، ولكن المطلوب أن تحترم الإنسان الذي يحبه، قل: “لا يناسب ذوقي” “لا أشتهيه”، ولا تقل: “هذا طعام لا يؤكل” أو “ذوقك سيء” فما عاب رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم طعاماً قطُّ إنِ اشتهاه أكَله وإنْ كرِهه ترَكه.
والإسلام لم يأت ليحرم الإنسان من الطيبات، وإنما جاء ليضع للشهوة ميزانها، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾، فالمشكلة ليست في أن يستمتع الإنسان بما أحل الله، وإنما في أن تتحول المتعة إلى إسراف، والإسراف إلى عادة، والعادة إلى ضرر، فالطيبات بحدود، والمائدة قد تكون أول الطريق إلى التعارف، وقد تكون آخر الطريق إلى الحكمة.



