إعلان مدفوع

إعلان
اعلانك يحقق اهدافك لاتتردد
مقالات و رأي

الغائبون عن الصورة الأخيرة

عدنان عيسى العمري
باحث تاريخي – باحث في التراث

في بعض المعارك، كما في كثير من حروب التاريخ، لا تنتهي الحكاية دائماً بفوز الشجاع، ولا يكون صاحب النصر في الصورة الأخيرة هو بالضرورة من صنع الطريق إليه!
قد تنتهي الحرب وتتوقف البنادق، ويهدأ الضجيج ثم يبدأ الغياب!
يختفي الرجل الذي كان في الصفوف الأولى، ذلك الذي حمل الخوف على كتفيه، وواجه الموت، وضحى براحته وأهله وعمره، بينما تبقى في المشهد أسماء أخرى، وتُروى الحكاية من زوايا قد لا يظهر فيها أولئك الذين صنعوا لحظاتها الأصعب.
إن بعض الأبطال لا يخسرون في المعركة، لكنهم يغيبون بعد انتهائها، يضحون بكل شيء من أجل قضية يؤمنون بها، ويخوضون الطريق وهم يعلمون أن نهايته قد تكون الموت، ثم قد لا يكون نصيبهم من النهاية إلا القيد أو الجراح أو المنفى أو القبر أما المجد، فقد يصل إلى آخرين!
وهذه واحدة من أشد مفارقات التاريخ قسوة، فالتاريخ مليء برجال صنعوا التحولات الكبرى، ثم لم يعيشوا ليروا ما صنعوه، أو عاشوا بعيدين عن الصورة التي كان ينبغي أن يكونوا في قلبها، وكأن بعض الرجال يُكتب عليهم أن يكونوا جسوراً يعبر عليها الآخرون إلى المجد، فإذا اكتمل العبور تُرِكت الجسور خلفهم.
ولعل المأساة ليست في أن يموت البطل، فالموت كان دائماً احتمالاً يعرفه كل من يدخل المعركة، بل في أن يُنسى بعد أن تهدأ الأصوات، وأن يتحول من كان في قلب الحدث إلى هامش الرواية، وأن يضيع صوته بين أصوات الذين جاؤوا بعد انتهاء الخطر، بعد أن أصبح الحديث عن البطولة آمناً ومباحا ومجانياً!
لكن التاريخ، وإن تأخر، لا ينظر إلى الصورة الأخيرة وحدها، فهو لا يسأل فقط: من بقي؟ بل يسأل أيضاً: من كان هناك عندما كان الطريق صعباً؟ من وقف حين كان الخوف سيد الموقف، ومن حمل العبء ودفع الثمن!؟
ولهذا، ليس كل من يظهر في نهاية الحكاية هو من صنع بدايتها.
فقد تنسى الدنيا البطل، وقد يغيب اسمه عن المحافل، وقد لا يجد مكاناً في المشهد الأخير، لكن اللحظة التي صنعها تبقى شاهدة عليه والتاريخ مهما تأخر في إنصافه، يعرف أين كان.
يعرف من تقدم حين تراجع الآخرون، ومن ثبت حين كانت التضحية تعني أن يخسر الإنسان كل شيء.
فليس كل من عاش بعد المعركة هو بطلها، وليس كل من غاب عنها قد خسر، فبعض الرجال لا يُكتب لهم أن يقفوا في نهاية الطريق، وربما تنساهم الذاكرة العابرة حيناً، لكن التاريخ يعود دائماً إلى البداية، إلى اللحظة التي كان فيها الخوف حاضراً، والموت قريباً، والنصر مجرد احتمال.
وهناك، بين الصفوف الأولى، يجد الأبطال الذين غابوا عن الصورة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى