حين لا تكفي كلمات القوة

الكاتبة / أمل بازيد
كاتبة صحفية إعلامية لايف كوتش ماجستير إرشاد نفسي
حين نقرأ، تمرّ بنا أبيات كثيرة، لكن بعضها لا يمرّ عابرًا؛ يستوقفنا طويلًا، ربما لأنه يقول ببلاغة ما عجزنا عن قوله، أو لأنه يلامس شعورًا عشناه، أو رأيناه يومًا في عيني شخص ولم نستطع تفسيره.
استوقفتني هذه الأبيات:
«كَفْكَفْتُ دَمْعِيَ في الأَحْداقِ كِتْمانًا
حَتّى غَدا الدَّمْعُ في العَيْنَيْنِ نيرانَا
قالوا ليَ: اصبرْ فأنتَ الصعبُ تعرفُهُ
وما دَرَوا أنَّ بعضَ الصبرِ أعيانَا»
توقفت عندها؛ لأنها تختصر شيئًا نفعله كثيرًا بحسن نية.
حين نرى شخصًا عرفناه قويًا، ثم نراه في لحظة ضعف أو انهزام، صامتًا على غير عادته، نسارع إلى تذكيره بقوته: أنت أقوى من ذلك، لقد تجاوزت الأصعب، ومررت بما هو أشد، وستتجاوز هذه المرة أيضًا.
نقولها مواساة، لكننا ربما لا ننتبه إلى أن الإنسان لا يحتاج في كل مرة إلى من يستنهض قوته؛ فقد تأتي عليه لحظة يحتاج فيها فقط إلى من يعترف بتعبه.
فنحن نرى ما تجاوزه، ولا نرى ما تركه التجاوز فيه.
نرى صمته، ولا نسمع الضجيج الذي يدور في داخله. نرى ابتسامته، ولا نعرف لماذا توقف الدمع في أحداقه. نرى ظاهره المتماسك، ولا نعرف كم مرة أعاد ترتيب نفسه بعيدًا عن أعين الآخرين كي يظهر أمامهم بهذه الصورة.
وقد قال المتنبي:
«وكم ذا بمصرَ من المضحكاتِ
ولكنه ضحكٌ كالبُكا»
ولعل في هذا البيت ما يتجاوز سياقه إلى معنى إنساني أوسع؛ فليست كل ابتسامة فرحًا، وليست كل ضحكة دليلًا على أن صاحبها بخير. ثمة ابتسامات لا تخبرنا عن السعادة بقدر ما تخفي وراءها ما لا يريد الإنسان أن يشرحه.
وليس كل صمت قوة أيضًا.
فقد يصمت الإنسان لأنه لم يعد يعرف من أين يبدأ الحكاية، أو لأنه تعب من إعادة شرح ألمه، أو لأنه أدرك أن بعض ما يشعر به أكبر من أن تحمله الكلمات.
وأحيانًا يكون الصمت آخر ما تبقى للإنسان من قدرته على الاحتمال.
المشكلة أننا حين نعتاد قوة أحدهم، نصنع له صورة يصعب عليه الخروج منها. ننسى أن القوي يتعب، وأن من اعتاد حمل الآخرين قد يحتاج يومًا إلى من يحمله، وأن الشخص الذي عبر عواصف كثيرة ليس ملزمًا بأن يعبر كل عاصفة بالطريقة ذاتها.
فالاحتمال ليس قدرة لا تنفد، والصبر لا يعني غياب الألم.
وقد عبّر المتنبي عن تراكم الأوجاع بقوله:
«رماني الدهرُ بالأرزاءِ حتى
فؤادي في غشاءٍ من نبالِ»
وهنا يكمن ما لا نراه غالبًا: قد لا يكون الموقف الأخير هو الذي هزم الإنسان، بل كل ما سبقه.
قد تكون كلمة صغيرة جاءت بعد أعوام من الصمت، أو خيبة عابرة وقعت فوق خيبات لم تجد وقتها للبكاء، أو موقفًا بسيطًا في أعيننا لكنه وصل إلى روح أنهكها طول الاحتمال.
لذلك ليس من العدل أن نقول للمتعب: لقد تحملت ما هو أصعب، فلماذا يكسرك هذا؟
فنحن نقيس الموقف بحجمه، بينما هو يشعر به بوزن كل ما سبقه.
ولعل من أرقى صور الرحمة أن نكف أحيانًا عن مطالبة الناس بالقوة.
ألا نسأل الصامت بإلحاح لماذا لا يتحدث، ولا نطالب المنهك بأن يستعيد نفسه سريعًا، ولا نجعل ضعفه الطارئ خيانةً للصورة التي رسمناها عنه.
أن نمنحه حق أن يكون إنسانًا فحسب.
أن نقول له: خذ وقتك.
وأن نجلس بقربه دون أسئلة كثيرة، نصغي إن أراد الحديث، ونحترم صمته إن عجز عنه، ونترك له مساحة يضع فيها ما أثقله دون أن نخيفه بشعار: «أنت قوي».
فبعض الناس يعرفون جيدًا أنهم أقوياء؛ لقد أثبتت لهم الحياة ذلك مرات كثيرة.
لكنهم تعبوا من الاضطرار إلى إثباته كل مرة.
والمواساة الحقيقية ليست أن نقنع الإنسان بأن ألمه صغير لأنه تجاوز ألمًا أكبر، بل أن نحترم وجعه كما هو، في لحظته، دون مقارنة أو استعجال.
فربما كان أكثر ما يحتاجه الإنسان في لحظة انكساره ألا نذكّره بما كان عليه، بل أن نطمئنه إلى أننا سنبقى إلى جواره حتى وهو ليس في أفضل حالاته.
نحن لا نعرف المعارك التي يخوضها الآخرون خلف الأبواب المغلقة، ولا عدد المرات التي ابتلعوا فيها دموعهم قبل أن يقابلونا بابتسامة، ولا كم كلفتهم عبارة «أنا بخير» وهم أبعد ما يكونون عنها.
لذلك، حين ترى شخصًا قويًا وقد أطرق طويلًا، لا تستعجل استنهاضه.
وحين ترى الدمع قد توقف في أحداقه، لا تظن أن الحزن انتهى.
وحين يبتسم، لا تجعل ابتسامته دليلك الوحيد على نجاته.
اقترب منه بقدر ما يسمح، واترك له حق الصمت، وامنحه من الأمان ما يجعله غير مضطر إلى التظاهر بالقوة أمامك.
فليس كل من صمت قد هان عليه ألمه، ولا كل من ابتسم قد نجا، ولا كل عين جفّ دمعها قد انتهى حزنها.
أحيانًا يتوقف الدمع في الأحداق، لا لأن الألم انتهى، بل لأن القلب تعب حتى من البكاء.



