الحسد يعشعش في القلوب الحاقدة

✍️ بقلم: إبراهيم النعمي
الحسد داءٌ قديم، يعشعش في بعض القلوب التي لا تستطيع أن ترى نجاح الآخرين إلا بعين الغيرة والحقد. ويظهر أحيانًا عندما يتميز إنسان أو يبدع في مجال من المجالات، فيسعى بعض الحاسدين إلى التقليل من شأنه، أو التشكيك في إنجازاته، أو النيل من نجاحه، بدلًا من أن ينظروا إلى نجاحه بوصفه دافعًا لهم نحو التطور والإنجاز.
قال تعالى:
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا﴾.
وقد قيل: «لا يُرمى بالحجارة إلا الشجر المثمر»، وهي حكمة تختصر جانبًا من واقع الحياة؛ فالشخص الناجح والمتميز غالبًا ما يلفت الأنظار، وقد يتعرض للنقد أو الحسد أو محاولات الإحباط، لكن ذلك لا ينبغي أن يكون سببًا لتوقفه عن العطاء.
والحسد ليس ظاهرة جديدة، بل هو داء يصيب النفوس منذ القدم، فيجعل الإنسان منشغلًا بما في أيدي الآخرين، بدلًا من أن ينشغل بتطوير نفسه، واكتشاف قدراته، والسعي لتحقيق أهدافه.
فبدلًا من مراقبة الآخرين، والبحث عن عيوبهم، والتقليل من إنجازاتهم، ونشر الشائعات عنهم، كان الأولى بالحاسد أن يسأل نفسه: ماذا قدمت أنا؟ وماذا أستطيع أن أحقق؟ وكيف أطور قدراتي حتى أصل إلى ما أطمح إليه؟
وقد حذّر النبي ﷺ من أسباب الفرقة والحقد والحسد، فقال:
«إيّاكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا».
ومع ذلك، من المهم أن نفرّق بين النقد البنّاء الذي هدفه التصحيح والتطوير، وبين النقد الذي تحركه الغيرة والحقد والرغبة في الإحباط؛ فليس كل من انتقدنا حاسدًا، وليس كل ملاحظة إساءة، وإنما العبرة بالأسلوب والهدف والمضمون.
أما الإنسان الذي يعمل وينتج ويبدع ويقدم النفع للآخرين، فمن الطبيعي أن يحظى بالاهتمام، وقد يجد من يختلف معه أو ينتقده أو يحاول التقليل من شأنه. وهنا تظهر قيمة الثبات، والثقة بالنفس، والقدرة على مواصلة الطريق دون الالتفات إلى الأصوات السلبية.
لذلك علينا أن نستمر في العطاء، وألا نجعل حسد الآخرين سببًا في توقفنا عن العمل. بل نجعل إنجازاتنا وعطاءنا أكبر من محاولات التقليل منا.
ولنركز على أهدافنا، وألا نلتفت إلى كل حجر يُرمى في طريقنا، بل نواصل السير نحو غاياتنا، ونحوّل العقبات إلى دروس وتجارب تزيدنا قوة ونضجًا.
كما ينبغي ألا ندخل في كل معركة؛ فليس كل كلام يستحق الرد، وليس كل إساءة تستوجب المواجهة. أحيانًا يكون الصمت أبلغ من الكلام، والاستمرار في النجاح أقوى من أي رد.
ولحماية أنفسنا من السلبية، علينا ألا نسمح لكلام الحاقدين أن يهز ثقتنا بأنفسنا، وأن نبتعد قدر الإمكان عن البيئات التي تستنزف طاقاتنا، وتدفعنا إلى الإحباط، وتجرّنا إلى صراعات لا فائدة منها.
ولنتذكر دائمًا أن النجاح الحقيقي لا يحتاج إلى إثبات نفسه لكل أحد؛ فالإنجاز يتحدث عن صاحبه، والعمل الصادق يفرض احترامه، والأثر الطيب يبقى، مهما حاول البعض التقليل منه.
فكن كالشجرة المثمرة؛ تعطي ثمارها، وتمنح ظلها، وتواصل نموها، حتى وإن رُميت بالحجارة.
وفي النهاية، ليس المهم كم حجرًا أُلقي في طريقنا، وإنما المهم كم ثمرةً قدمنا، وكم أثرًا طيبًا تركنا، وكم إنسانًا انتفع بما قدمنا.
فلا تجعل حسد الآخرين يسرق منك فرحة النجاح، ولا تجعل حقدهم يطفئ نور العطاء في قلبك. وامضِ في طريقك بثقة، واعمل بصمت، ودع إنجازاتك تتحدث عنك؛ فالأشجار المثمرة لا تتوقف عن الإثمار لأنها تعرضت للرمي بالحجارة.
اللهم أعذنا وإياكم من الحسد والحقد، وطهّر قلوبنا من الضغائن، وارزقنا وإياكم قلوبًا سليمة، ونفوسًا محبة للخير، وبارك لكل إنسان في رزقه ونجاحه وعطائه، واجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر.



