في متحف الجندلي.. ليلة من ليالي الماضي الجميل

✍️ بقلم: إبراهيم قرن
بعد مساءٍ ماطر في محافظة بيش، توجهتُ برفقة الأستاذ الإعلامي إبراهيم النعمي إلى متحف الأستاذ يحيى جندلي التراثي، حيث كان في استقبالنا بكل حفاوة وكرم، مقدمًا لنا الورود ومشروب الكركديه العذب، كعذوبة ماء بيش.
استغرقت جولتنا في المتحف قرابة ساعتين، ومع ذلك لم يسعفنا الوقت لاستكمال التجول في جميع أركانه؛ فما يحتويه المكان من مقتنيات تراثية وتفاصيل تحكي تاريخ الحياة القديمة يحتاج إلى أكثر من زيارة.
بدأت جولتنا من ركن الكتاتيب والمدارس قديمًا، حيث المباني المشيدة من سعف النخيل والجريد، والطلاب الذين كانوا يفترشون الأرض في مجالس طلب العلم. ويجسد هذا الركن ما كان يُعرف قديمًا بـ«المدرسة الجندلية»، نسبةً إلى الشيخ جبريل محمد يحيى جندلي، الذي كان من أوائل من أسسوا مدرسة تعليمية في بيش قبل التعليم النظامي، وتخرج فيها عدد من أبناء المحافظة الذين أصبحوا فيما بعد معلمين وقادة مدارس وأطباء وأكاديميين وقيادات في مجالات مختلفة.
ثم انتقلنا إلى ركن البيئة وطبيعة الحياة في بيش قديمًا، حيث البيت الطيني وما يحتويه من مقتنيات أساسية، مثل القِعْد والشباري والبلابل والجرار التي كان يُحفظ فيها الماء، إلى جانب العديد من الأدوات التي كانت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.
وشاهدنا نماذج ومجسمات تحاكي الحياة القديمة، من البئر والجمل، وما يرتبط بهما من أدوات ومستلزمات، إلى جانب الشاطرة والرحى والمطحنة والدبية والمركب والجبنة والفانوس، وغيرها الكثير من المقتنيات التي يصعب حصرها في مقال أو خبر؛ فالكلام عن التراث شيء، ومشاهدته بعينك شيء آخر.
بعد ذلك انتقلنا إلى ركن البيوت الشعبية، الذي يمثل مرحلة زمنية لاحقة، بما يحويه من أبواب خشبية ومطبخ وأوانٍ وأدوات منزلية قديمة، من الدلال والفناجين وأدوات الطبخ والصحون والصواني، في مشهد يعيد للذاكرة شكل البيوت وكيف كانت تفاصيل الحياة فيها قديمًا.
ثم وصلنا إلى قلب المتحف الكبير؛ ذلك المكان الذي يعجز القلم عن وصف ما يختزنه من كنوز تراثية. صحف قديمة، وعملات نادرة، وحقائب مدرسية وحقائب سفر، ومقتنيات من اللباس الجيزاني القديم، وأدوات كانت تستخدمها المرأة للزينة، من العطور والإكسسوارات وغيرها من التفاصيل الجميلة التي لا يمكن وصفها كاملة.
كل قطعة في هذا المتحف كانت تحمل حكاية، وكل زاوية كانت تفتح نافذة على زمن مضى، وتعيد إلى الذاكرة ذكريات الطفولة ومواقف وحكايات مع أناس رحلوا عن دنيانا، لكن ذكراهم ما زالت حاضرة في القلب.
وأخيرًا، استقر بنا المقام في فناء المتحف، الذي تتوسطه نافورة ماء، وتحيط به إضاءة الفوانيس، وهناك دار الحديث عن الذكريات وأيام الزمن الجميل.
في متحف الجندلي لم تكن الزيارة مجرد جولة بين مقتنيات قديمة، بل كانت رحلة وجدانية إلى الماضي؛ عشنا خلالها ليلة من ليالي «ألف ليلة وليلة»، بكل ما حملته من تفاصيل وذكريات وروائح وأصوات وحكايات.
ومضة:
جمعت حلو المحاسن
حبك في هالقلب ساكن
وصفه تعدّى الخيال
القمر عندك رمادي
وأنت القريب البعيد
فيك الجمال العجيب
رهيب والله.. رهيب.



