الخيل العربي.. حين يتحول التراث إلى لوحة جميلة.

بقلم: البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي.
أستاذ جامعي سابق ـ مستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي والقيادة

أهدتني شقيقتي الفنانة التشكيلية آمنة عبدالقادر بغدادي لوحة لخيل أبيض أصيل، أطلقت عليها عنوان «صهيل العز»، ووصفتها بأنها عمل فني يستلهم هيبة الخيل العربي وأصالة الزخارف العسيرية في وشاح ينساب بين التراث والحركة.
توقفت أمام اللوحة طويلاً ليس لجمال الخيل فقط وإنما لما تختزنه من دلالات تتجاوز الصورة إلى تاريخ طويل من علاقة الإنسان العربي بالخيل وما يمثله من فروسية وشجاعة وكرم وأصالة.

فالخيل العربي لم يكن حاضراً في حياة العرب بوصفه وسيلة للتنقل أو الحرب فحسب بل ارتبط بالفروسية والمكانة والاعتزاز وله حضور في الشعر والأدب والتاريخ واللغة واحتفى العرب بجماله وسرعته وأصالته حتى أصبحت أنسابه وصفاته جزءاً من التأريخ والثقافة العربية.
ومن هذا المعنى تحديداً يبدو عنوان -صهيل العز- لافتاً للنظر فالصهيل هنا ليس مجرد صوت للخيل وإنما يحمل إيحاء بالعزة والكبرياء والأصالة، وهي معان وصفات رافقت صورة الخيل العربي عبر أجيال طويلة.
وترتفع قيمة العمل حين تلتقي هيبة الخيل العربي مع أصالة الألوان والزخارف العسيرية السعودية الأصيلة إذ لا تكتفي الفنانة بتقديم الخيل في صورته التقليدية بل تضعه داخل مكون بصري يستلهم أحد مكونات التراث السعودي ليصبح العمل مساحة يلتقي فيها الفن السعودي الأصيل والمعاصر.
أما الوشاح الذي ينساب بين التراث والحركة فيمنح اللوحة إحساساً بالحيوية والانسيابية فهو يبدو عنصراً زخرفياً يحيط بالخيل ليعطي صفة من الفكرة البصرية التي تربط الحركة الإنسايبة والسريغة للخيل بحركة الزخارف التراثية وكأن التراث نفسه يتحرك ولا يبقى ثابتاً في الماضي بل يرتبط بالحاضر.
وهنا تكمن أهمية العمل الفني في رأيي المتواضع فهو لا يقدم التراث باعتباره مادة تاريخية زمنية محفوظة في الكتب وإنما الفن يعيده بلغة فنية معاصرة. فالخيل العربي حاضر، والزخارف العسيرية حاضرة لكن العمل الفني بطريقة الجمع بينهما تمنحهما في الواقع قراءة جديدة يمكن للأجيال الحالية أن تتفاعل معها بصرياً ووجدانياً.
الخيل في المجتمعات الأصيلة لم يكن الاهتمام به مقتصراً على اقتنائها بل امتد إلى معرفة أنسابها وسلالاتها وتربيتها والعناية بها .. وللخيل حضور أكاديمي أيضاً في بعض مقررات علم الأحياء، ومنها المقررات التي تناولت «فونا المملكة العربية السعودية»، وقد سبق لي ولعدد من زملائي تدريس هذه المقررات للطلاب. وهذا الموضوع الأكاديمي للخيل يؤكد أنها ليست مجرد رمز تراثي أو عنصر جمالي بل جزء من التنوع الحيواني والبيئي، وامتداداً لعلاقة تاريخية وثقافية عميقة بين الإنسان العربي السعودي والخيل
ومن هنا فإن استحضار الخيل في الفن ليس مجرد استحضار لجماله، بل يمكن أن يكون استحضاراً لمنظومة كاملة من القيم والمعاني المرتبطة به.
ولذلك يستطيع الفن بهذه الجماليات أن يؤدي دوراً مهماً في حفظ التراث ليس من خلال تكرار صور الماضي وإنما عبر إعادة تقديمه بلغة معاصرة وحديثة يصل مفهومها إلى الأجيال الجديدة.. وهذه في تقديري إحدى الاستراتيجيات المهمة للمحافظة على الموروث وهذه الإستراتيجية هي :
-أن ننتقل به من مجرد التوثيق إلى الإبداع.
كما أن ربط التراث بالحياة المعاصرة يمنحه حضوراً متجدداً فالتراث الذي يبقى داخل الكتب والمتاحف يحافظ على معلوماته لكن التراث الذي يدخل الفن والتصميم والتعليم والإعلام والمناسبات الثقافية يصبح أكثر حضوراً في حياة الناس.
ولعل أجمل ما في «صهيل العز» أنها لا تقدم الخيل بوصفه جزء من الماضي فقط، بل تضعه في مشهد معاصر يجعلنا نتأمل العلاقة بين الأصالة والتجديد، والثبات والحركة، والتراث والفن. وهنا يبرز معنى من معاني التخطيط الاستراتيجي فالمستقبل لا يبنى بنسيان الماضي، بل بتوظيف أصالته لصناعة قيمة متجددة لمستقبل طويل الأمد.
لقد تأملت في هذه اللوحة وقرأت فيها شيئاً من تاريخ الخيل العربي وشيئاً من أصالة التراث السعودي وشيئاً من الزخارف العسيرية وشيئاً من رؤية الفنانة التي اختارت أن تجمع هذه العناصر في عمل واحد، فجاء «صهيل العز» وكأنه حوار بصري بين الماضي والحاضر.
ولهذا كانت الهدية مختلفة فهي ليست لوحة أضافت جمالاً إلى المكان فحسب بل عمل فني يقود إلى سؤال مهم جداً : كيف نحافظ على تراثنا ؟؟ هل بأن نكتفي بتذكره فقط ؟؟ أو بأن نمنحه حياة جديدة في الفن والثقافة والعلوم ؟؟



