إعلان مدفوع

إعلان
اعلانك يحقق اهدافك لاتتردد
مقالات و رأي

المعلم الذي لا يظهر في صورة الحضارة

كاتبة رأي : ايمان المغربي

حين ننظر إلى حضارة أي مجتمع فإن أعيننا تتجه عادةً إلى ما نراه أمامنا من جامعات ومشروعات ومؤسسات ومدن ومنجزات علمية ومعرفية فنرى ما تحقق أمامنا لكننا قد لا نتوقف كثيراً عند الإنسان الذي يقف خلف هذه الإنجازات

وأنا كمعلمة متقاعدة أرى أن وراء كل إنجاز إنساناً بدأ يوماً رحلته الأولى مع التعليم وفي تلك الرحلة كان هناك معلم أو معلمة يقدمان له المعرفة ويساعدانه على اكتشاف قدراته ويهيئانه ليواصل طريقه في الحياة

قبل أن يصبح هناك طبيب يعالج الناس كان هناك طالب يتعلم القراءة والكتابة وقبل أن يصبح هناك مهندس يرسم مشروعاً كان هناك طالب يتعلم كيف يفكر ويفهم ويحل المشكلة وقبل أن يصبح هناك باحث يضيف معرفة جديدة كان هناك معلم فتح أمام طالب باب السؤال والبحث

ومن هنا أرى أن المعلم لا يبني المبنى الذي نراه لكنه يشارك في بناء الإنسان الذي يستطيع أن يبنيه ولا يضع اسمه بالضرورة على المشروع الذي ينجح لكنه كان في مرحلة من المراحل واحداً ممن ساهموا في إعداد الإنسان الذي يقف خلف ذلك النجاح

المعلم لا ينقل المعرفة فقط بل يساعد الطالب على اكتشاف قدراته وتطويرها وتحويلها إلى مهارات يمكن أن يستخدمها في حياته فالمعلومة التي يتعلمها الطالب ليست غاية في حد ذاتها وإنما وسيلة تساعده على الفهم والتفكير واتخاذ الطريق الذي يناسب قدراته وطموحه

وقد ينسى الطالب بعض تفاصيل الدروس التي تلقاها منذ سنوات وقد تتغير الكتب والمناهج ووسائل التعليم لكن المعرفة التي تعلمها والمهارات التي اكتسبها وطريقة التفكير التي تدرب عليها يمكن أن ترافقه في مهنته وقراراته وعمله وحياته

وهذا ما يجعل عمل المعلم مختلفاً فهو يتعامل مع الإنسان في مرحلة مهمة من مراحل تكوينه يرى الطالب وهو يحاول ويتعلم ويخطئ ثم يحاول من جديد ويرى خوفه من الإجابة وتردده في السؤال واكتشافه الأول لقدراته وقد تكون كلمة تشجيع من معلمه سبباً في أن يثق بقدرته على التعلم والاستمرار

أنا لا أتحدث عن صورة مثالية للمعلم بل أتحدث عن واقع عشته داخل المدرسة عن معلم ومعلمة يقفان كل يوم أمام طلاب وطالبات مختلفين في قدراتهم وشخصياتهم وظروفهم ويعرفان أن ما يحدث داخل الفصل لا ينتهي بانتهاء الحصة لأن الطالب الذي يغادر المدرسة اليوم سيصبح غداً جزءاً من المجتمع وسيحمل معه ما تعلمه إلى موقعه في الحياة

وطوال سنوات عملي في التعليم لم يكن يقيني بدور المعلم في بناء الحضارة فكرة أرددها في مناسبة بل كان يكبر أمام عيني يوماً بعد يوم كل معلومة كنت أقدمها لطالبة وكل مهارة أراها تتطور وكل طالبة تغادر المدرسة لتبدأ مرحلة جديدة من حياتها كانت تؤكد لي أن ما يحدث داخل الفصل أكبر من درس ينتهي بانتهاء الحصة

كنت أرى في كل طالبة مستقبلاً لم يتشكل كاملاً بعد وأعرف أن ما تتعلمه اليوم قد يصبح غداً جزءاً من عملها وحياتها وخدمتها لمجتمعها ومع كل دفعة من الطالبات كانت الصورة تصبح أوضح بالنسبة لي المعلم لا يصنع الحضارة وحده لكنه يضع لبنة أساسية فيها حين يشارك في بناء الإنسان الذي يستطيع أن يصنعها

والحضارة لا تُبنى بالإنجازات المنفصلة بل بتراكم أجيال معلم يعلّم طالباً والطالب يصبح مهنياً ثم يستخدم علمه وخبرته في خدمة غيره ومن يخدمهم يواصلون البناء بدورهم وهكذا لا يبدأ كل جيل من الصفر بل يحمل ما تعلمه ممن سبقه ويضيف إليه ما يستطيع

ولعل أجمل ما يؤكد لي ذلك ما يحدث لي أحياناً عندما أذهب إلى مكان ما قد تقف أمامي امرأة وتتأمل ملامحي للحظات ثم تبادرني بقولها أنتِ إحدى معلماتي وبعدها تخبرني أنها أصبحت محامية وأخرى تقول إنها أصبحت طبيبة وأخرى تحدثني عن عملها في الهندسة وأخرى تخبرني أنها تعمل في الأمن السيبراني

في تلك اللحظات أتذكرهن وهن يجلسن في الفصل ثم أراهن اليوم وقد اخترن مجالاتهن وأصبحن يعملن ويقدمن ما لديهن لمجتمعهن أشعر أنني كنت جزءاً من بداية هذا الطريق لا لأن المعلم يصنع نجاح الطالب وحده فالنجاح تصنعه عوامل كثيرة وجهود متعددة وإنما لأن المعلم كان واحداً ممن شاركوا في مرحلة من مراحل بناء هذا الإنسان

وهنا يتجاوز ما يقدمه المعلم حدود الطالب الذي أمامه فالطالبة التي تعلمتها قد تصبح طبيبة تعالج الناس أو مهندسة تبني أو محامية تخدم الناس أو متخصصة في الأمن السيبراني تحمي أنظمة ومعلومات وما تقدمه هي في مجالها قد يصل إلى أشخاص لم يلتقهم المعلم في حياته فيستمر ما بدأ في الفصل الدراسي عبر سنوات وأجيال

وقد لا يظهر اسم المعلم على كثير من الإنجازات التي يصنعها طلابه لكن ذلك لا يعني غياب دوره عنها فبعض المشاركات في بناء الحضارة تبدأ من مكان لا تلتقطه الكاميرات داخل فصل دراسي معلم يشرح وطالب يتعلم ثم تمضي السنوات ليصبح ما تعلمه جزءاً من علمه ومهنته وعمله وحياته

وهنا أقولها اليوم بثقة من عاشت التعليم لا من قرأت عنه المعلم أساس من أسس الحضارة لأن الحضارة في النهاية يصنعها الإنسان والإنسان يبدأ بناء قدراته من التعليم

ولهذا فإن يوم المعلم بالنسبة لي ليس مناسبة لشكر المعلم فقط بل مناسبة لنتذكر أن الحضارة تبدأ من الإنسان وأن بناء الإنسان رحلة تبدأ بالتعليم وتمتد إلى كل موقع يمكن أن يقدم فيه هذا الإنسان علماً أو عملاً أو خدمة

وقد يغادر المعلم المدرسة ذات يوم لكن ما ساهم في بنائه داخل الإنسان لا يغادر معه فالمعلم لا يترك خلفه فصلاً دراسياً فقط بل يترك أناساً سيواصلون البناء

قد لا يظهر المعلم في صورة الحضارة لكن الإنسان الذي يشارك في بنائه يظهر فيها

وهذه في نظري واحدة من أجمل صور التعليم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى