إعلان مدفوع

إعلان
اعلانك يحقق اهدافك لاتتردد
مقالات و رأي

حين تُثقلنا الحاجة

الكاتبة / أمل بازيد
ماجستير إرشاد نفسي

قرأت ذات مرة حكمة استوقفتني طويلًا، مفادها أن من أقسى ما قد يمر به الإنسان الأصيل أن تضطره ظروف الحياة إلى طلب العون ممن لا يعرف للوفاء معنى، ولا للمواقف قدرًا.

ولعل قسوة هذه الحكمة لا تكمن في الحاجة ذاتها، وإنما فيما قد تضعنا أمامه من مواقف لم نكن نتوقعها، حين تضيق الخيارات، وتدفعنا الظروف إلى طرق أبواب لم نعتد طرقها، فنكتشف أن بعض الأبواب التي ظنناها ملاذًا لم تكن سوى اختبار جديد لصبرنا وكرامتنا.

فالإنسان عزيز النفس لا يستثقل العطاء، لكنه قد يستثقل السؤال. اعتاد أن يكون حاضرًا حين يحتاجه الآخرون، وأن يبادر دون انتظار مقابل، وأن يحفظ الود حتى في أشد لحظات الاختلاف. وحين تدور به الأيام ويجد نفسه في موضع الحاجة، لا يبحث بالضرورة عمن يرد إليه ما قدمه، وإنما يرجو أن يجد شيئًا من المروءة التي طالما آمن بها.

غير أن المواقف لا تأتي دائمًا على قدر توقعاتنا، فقد نكتشف أن من أحسنّا الظن بهم لم يكونوا أهلًا لتلك الثقة، وأن بعض العلاقات التي بدت راسخة في أوقات الرخاء لم تصمد أمام أول اختبار حقيقي. وهنا لا تكون الخيبة في غياب المساعدة وحدها، بل في سقوط صورة احتفظنا بها طويلًا لمن ظننا أنهم لا يتغيرون عند الشدائد.

ومع ذلك، يبقى من الإنصاف أن نفرّق بين من لا يستطيع العطاء ومن لا يحسن التعامل مع حاجة الآخرين. فالعجز عن المساعدة ليس خذلانًا، والاعتذار الصادق لا ينتقص من الوفاء. إنما القسوة أن يتحول احتياج الإنسان إلى موضع استعلاء، أو أن يُقابل صدقه بالتجاهل، أو يُشعر بأن طلبه قد أنقص من قدره.

وما أكثر المواقف التي تعيد ترتيب مكانة الأشخاص في نفوسنا، دون خصومة أو عتاب. فقد تكفي لحظة واحدة لنعرف الفرق بين من يحفظ كرامتنا وإن عجز عن مساعدتنا، ومن يمنحنا ما نحتاج إليه ثم يجعلنا ندفع ثمنه من احترامنا لأنفسنا.

وليس في الحاجة ما يعيب الإنسان؛ فهي حال بشرية لا تستثني قويًا ولا غنيًا ولا صاحب مكانة. وقد يكون من نراه اليوم قادرًا على العطاء محتاجًا غدًا إلى كلمة تسانده أو يد تمتد إليه. لذلك لا تُقاس أصالة المرء بما يملكه، وإنما بما يبقى من إنسانيته حين تتبدل الأدوار وتتغير الظروف.

ولعل أنضج ما نتعلمه من هذه التجارب ألا نجعل خذلان الآخرين سببًا في التخلي عن قيمنا، وألا نسمح لموقف مؤلم أن يسلبنا ثقتنا بكل من حولنا. فالأصالة ليست ضمانًا بأن نجد الوفاء لدى الجميع، لكنها اختيار أخلاقي نحافظ عليه مهما اختلفت معادن البشر.

وفي نهاية الأمر، قد تنتهي المحنة وتزول الحاجة، لكن الطريقة التي عوملنا بها تظل حاضرة في الذاكرة. فبعض الناس لا نذكر لهم مقدار ما قدموه، بل مقدار ما حفظوه من كرامتنا حين كنا في أمسّ الحاجة إليهم.

همسة أمل

لا تخجل من حاجة ألجأتك إليها الحياة، ولا تندم على معروف قدمته لمن لم يحفظه. فالأيام قد تبدّل أحوالنا، لكنها تكشف معادننا. واحرص حين يقف أحدهم على بابك محتاجًا، أن تحفظ له كرامته قبل أن تفكر فيما تستطيع تقديمه؛ فربما ينسى الإنسان ما أعطيته، لكنه لن ينسى كيف عاملته في لحظة ضعفه..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى