هل حان الوقت لتحويل المسؤولية الاجتماعية إلى محرك للنمو الاقتصادي؟
ما بعد الملتقى الدولي للمسؤولية الاجتماعية:

بقلم: د. أحمد حسن
مستشار دولي في المسؤولية الاجتماعية والاستدامة والحوكمة المؤسسية
شكّل الملتقى الدولي للمسؤولية الاجتماعية 2026، الذي استضافته الرياض يومي 5 و6 أكتوبر، فرصة مهمة لإعادة النظر في مستقبل المسؤولية الاجتماعية للشركات، ليس باعتبارها أداة للإنفاق المجتمعي فحسب، بل بوصفها أحد الممكنات الاقتصادية القادرة على دعم التنمية المستدامة وتعزيز كفاءة المؤسسات واستقرار الأسواق.
ومن خلال مشاركتي في جلستين حواريتين تناولتا هندسة الحوافز لتسريع المسؤولية الاجتماعية، ودور الشراكات الاستراتيجية في التنمية المجتمعية، برز أمامي تساؤل جوهري: هل نقيس نجاح المسؤولية الاجتماعية بحجم الأموال التي تنفقها الشركات، أم بالقيمة الاقتصادية والمؤسسية المستدامة التي تتركها تلك الأموال؟
أعتقد أن المرحلة المقبلة تتطلب تحولاً في العلاقة بين الشركات والقطاع غير الربحي؛ من تمويل المبادرات قصيرة الأجل إلى الاستثمار في بناء قدرات المؤسسات غير الربحية، وتعزيز حوكمتها وكفاءتها التشغيلية واستدامتها المالية.
فالمؤسسة غير الربحية القادرة على تطوير خدماتها، وتنويع إيراداتها، وخلق فرص العمل، لا تمثل مجرد جهة مستفيدة من المسؤولية الاجتماعية، بل شريكاً اقتصادياً يسهم في تحقيق مستهدفات التنمية الوطنية.
وهنا تبرز أهمية تطوير منظومة تنافسية تربط إدارات المسؤولية الاجتماعية بالشركات والمؤسسات غير الربحية، من خلال معايير واضحة للتصنيف والتميز المؤسسي، وآليات تمويل تنافسية، ومؤشرات قابلة للقياس.
من واقع عملنا مع شركائنا وخبرائنا الأوروبيين في مجالات الاستدامة والحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية (ESG)، أرى أن التكامل بين المسؤولية الاجتماعية ومعايير الحوكمة يمثل فرصة اقتصادية تتجاوز الأثر المجتمعي المباشر.
فالشفافية، وجودة الإدارة، والإفصاح المسؤول، وقياس الأثر، جميعها عوامل تساعد على الحد من المخاطر المؤسسية، وتعزيز ثقة المستثمرين والشركاء، ودعم استقرار الأسواق على المدى الطويل.
إن المسؤولية الاجتماعية لا ينبغي أن تبقى نشاطاً منفصلاً عن الاستراتيجية الاقتصادية للشركات، بل يجب أن تصبح جزءاً من منظومة متكاملة لإدارة المخاطر وصناعة القيمة المستدامة.
تستهدف رؤية السعودية 2030 رفع مساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي الإجمالي إلى 5%، وهو طموح يستدعي الانتقال من قياس حجم التبرعات إلى قياس القيمة المضافة الفعلية للقطاع.
ومن وجهة نظري، فإن تطوير شراكات طويلة الأمد بين إدارات المسؤولية الاجتماعية والمؤسسات غير الربحية والجامعات والجهات الحكومية يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة لتعزيز الإنتاجية، وتنمية رأس المال البشري، وخلق فرص اقتصادية مستدامة.
كما أن الاستفادة من التجارب الأوروبية في الاعتماد المؤسسي والتمويل التنافسي وتقييم الأداء، مع تكييفها وفق احتياجات السوق السعودية، يمكن أن تسهم في تسريع هذا التحول.
إن القيمة الحقيقية للملتقيات الدولية لا تقاس بعدد الاتفاقيات أو الجلسات الحوارية، وإنما بقدرتها على تحويل الأفكار إلى نماذج عمل قابلة للتطبيق والتوسع.
وأرى أن المملكة تمتلك فرصة لتقديم نموذج متقدم للمسؤولية الاجتماعية، يجمع بين تنافسية الشركات، وتمكين القطاع غير الربحي، والحوكمة، والاستثمار الاجتماعي المستدام.
فالمرحلة المقبلة لا تحتاج فقط إلى شركات تنفق أكثر على المسؤولية الاجتماعية، بل إلى منظومة تجعل كل ريال يُستثمر فيها أكثر قدرة على إنتاج قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة.
وهذا، في تقديري، هو التحول الحقيقي الذي ينبغي أن يقود مستقبل المسؤولية الاجتماعية بعد ملتقى الرياض.
د. أحمد حسن – الرئيس التنفيذي لإيراسموس الشرق الأوسط للاستثمارات، ومتخصص في تطوير الشراكات الدولية والحوكمة والاستدامة والتميز المؤسسي، وشارك متحدثاً في الملتقى العالمي للمسؤولية الاجتماعية 2026 بالرياض.



