إعلان مدفوع

إعلان
اعلانك يحقق اهدافك لاتتردد
مقالات و رأي

‎المثقف وخندق الاصطفاف

د.محمد بن صالح الشيبي
‎كلما عصفت بالمنطقة العربية أزمة سياسية أو أمنية، التفتت الأنظار تلقائيًّا نحو النخبة المثقفة، باعتبارها صمام الأمان الذي يملك القدرة على قراءة المشهد وتوجيه الوعي الجمعي نحو بر الأمان. لكن الواقع الصادم الذي تكشفه الأزمات المتلاحقة يشير إلى معضلة أعمق؛ لم يعد المثقف العربي قادرًا على صياغة مفهوم حقيقيّ للمصير المشترك، بل تحول في كثير من الأحيان إلى وقود يُذكي نيران الانقسام.
‎إن هذا التراجع يعيدنا إلى واقعية الطرح السياسي للأزمات الراهنة، حيث أثبتت الأحداث أن الأمن القومي العربي كلٌّ لا يتجزأ، وأن أي محاولة لتفكيكه أو التعامل معه بمنطق “النأي بالنفس” هي قصر نظر استراتيجيّ. فالفوضى أو عدم الاستقرار في أي دولة محورية—مثل المملكة العربية السعودية التي تمثل عمقًا استراتيجيًّا وأمنيًّا للجميع—لا تقف عند حدودها الجغرافية، بل تمتد آثارها لتشمل المنطقة ككل. ومن هنا، فإن إدراك رابطة المصير المشترك يتجاوز حدود الشعارات العاطفية المتقلبة ليصبح ضرورة وجودية للدفاع عن البناء العربي كاملًا.
‎وفي هذا السياق، يبرز السقوط الحقيقي لبعض النخب من خلال “أزمة المثقف الأيديولوجي”. فبدلاً من أن يكون المثقف صوتًا للعقل العابر للتحزبات، أصبح الكثير منهم رهائن لانتماءاتهم الحزبية أو الطائفية الضيقة. هذا الارتهان جعل مواقفهم متقلبة وتابعة للأجندات السياسية؛ فهم يدينون التدخل أو الاعتداء في مكان ما، ويبررونه أو يصمتون عنه في مكان آخر إذا كان يخدم توجهاتهم الفكرية، مما أفقد المثقف مصداقيته التاريخية كـ “ضمير للمجتمع” وموجه لوعيه.
‎وهنا يجب التمييز بوضوح بين المسؤولية الأخلاقية للمثقف وبين حقه في النقد؛ فالنقد الموضوعي ومراجعة السياسات شأن مشروع ومطلوب في كل وقت، لكنه ينتهي تمامًا عندما يتحول إلى غطاء لتبرير تهديد السلم والأمن الإقليمي. عندما يعجز المثقف عن التمييز بين الخلاف السياسي وبين تقويض أركان البيت العربي، فإنه يتخلى طواعية عن مسؤوليته الأخلاقية، لأن انهيار الدول والدخول في نفق الحروب العبثية يدفع ثمنه الشعوب أولًا وأخيراً.
‎ختامًا، إن صناعة المستقبل العربي لا يمكن أن تتحقق عبر نخب تعيش في أبراج عاجية أو مرتهنة لاصطفافات مؤقتة. إن استمرار المثقف في دور المتفرج أو المحرض الخفي لن ينتج عنه سوى مساهمة مباشرة في الفوضى. إن حماية المنطقة تتطلب وعيًا ثقافيّاً صلبًا يؤمن بأن تصدّع أي جدار في هذا البناء هو تهديد للجميع، وأن قول الحقيقة دون مواربة هو أولى خطوات النهضة الحقيقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى