العناق الأخير.

الكاتبة : غادة ناجي طنطاوي.
العالم يغلي فوق صفيح ساخن.. أخبار حروبٌ تقوم ونيرانٌ تشتعل.
فوضى عارمة.. أنباءُ عن تغير جذري يحدث في أقطاب الأرض.. يحول سكون الليل إلى موجة صخب تعتري العالم.. فصولٌ معتدلة قد تستحيل إلى زمهرير.. مسغبةٌ تسود.. أعاصير تحرق الأخضر واليابس.. عواصفٌ رعدية وفياضانات تلفظ ما في جوف البحر.. نياشين تسقط ويصبح العالم غارق في ظلمات أمواجٍ لُجِية تغشى القلوب.. تصريحاتٍ لمستقبلٍ دون حدود، مبهم المعالم، يطوف بوجهٍ مخيف..!!
وفي بقعةٍ ما، بيتٌ متواضع في إحدى حواري المدينة، به أم وأب لأطفال، كبيرهم يساعد أباه في عمله، طفلان في بهو المنزل يكتبان الواجب المدرسي، فتيات يساعدن في تحضير الطعام، وصغيرهم يلهو بكرةٍ بالية أمام المنزل مع طفل جيرانهم. كحال كل يوم تشرق فيه الشمس، يذهب الأب باكرًا لعمله، ثم يعود ليلًا ليجتمع بزوجته وأبنائه، حول مائدة طعام مما تيسر لهم، يتبادلون الحديث والضحكات في زمنٍ شحَّ فيه الضحك، وأصبح للإبتسامة ثمن.
كان كل شئ على مايرام، فجأة امتلأت السماء بغيومٍ سوداء، وعصف بهم رماد، ماكان سوى بقايا بيت جيرانهم الذي قصفه العدو..!! ليلةٌ باردة من ليالي الخريف، شق صمتها دوي إنفجار الصواريخ، دخانٌ خانق يتسلل من نافذة المنزل، صرخات أطفالهم الصغار أيقظتهم من الصدمة، أما الكبار فقد ألِفوا صوت الإنفجار..!! خرج الأب ليتفقد جيرانه، وصابه هول ما رأى..!!
جثة لطفل جيرانهم محتضنًا كرته البالية، أكوامٌ من التراب تنبعث منها صرخات من تحت الأنقاض، مصحفٌ ملقى على قارعة الطريق، ذرته الرياح من دار تحفيظ القران المجاور.. ودميةٌ ملطخة بالدم لطفلةٍ كانت تلهو بها..!! لم يجزع ولم يخيفه الأمر..!! فقد اعتاد رؤية مشهد الدمار في كل مرةٍٍ يسأم فيها العدو من هدوءٍ عمَّ المنطقة، ويبحث عن ذريعةٍ جديدة لإبادتهم، تخرج الأم تاركةً أطفالها في البيت بأمان، تجوب أزقة الحارة المجاورة بحثًا عن زوجها الذي اختفى بين وابل من الشظايا، وأشلاء أجساد مقطعة..!! واطمأن قلبها بعد أن لاح لها طيفه قادمًا من بعيد، هرعت لتمسك بيديه حتى يعودا للبيت.
وفي طريق العودة، وحال اقترابهم من المنزل، إذ بصاروخٍ آخر يقصف منزلهم أمام أعينهم، صرخت الأم؛ “الأطفال بالداخل.. تركتهم جميعًا هناك خوفًا عليهم”، يهرع الأب مسرعًا لبيتٍ لم يبقَ فيه سقفٌ ولا باب، بحثًا عن أطفاله تحت الركام، وفي كلِ مرةٍ ينتشل جثة احدهم، يولد لديه أمل جديد في أن يجد الآخر حي، حتى صرخت الأم معلنةً عثورها على الرضيعة التي لفظت أنفاسها الأخيرة على يد والدتها..!!
جثث أطفال، وسط ركام المنزل، أب مكلوم.. وأم ثكلى تنوح، خُضِبت يداها بدم الرضيعة، تأبى إزالة دم أطفالها من عليها لتشم رائحتهم ولو لثوانٍ معدودة لآخر مرة وهي تعانق طفلتها العناق الأخير..!! في حارةٍ أخرى.. متشدقٌ آخر، من نسل الشياطين. يعتلي المنبر ليستغيث..!! يتحدث عن مستشفياتٍ تُقصف.. أطفالٌ يُتِمت على مائدة عليها آخر كؤؤسٍ لنبيذٍ تركوه، هربًا لملاجئ تم تحضيرها مسبقًا..!!
وجوه مستبشرة، ملائكية ضاحكة.. ها قد أتاكم وعد الحق، من فوق سبع سماوات.. لكل غصن زيتون قد قطعتوه..!! لكل جثثٍ لم يتم دفن رفاتها، وتُرِكت لينهشها الدود..!! لكلِ صرخة أمٍ مكلومة.. وبكاء شيخٍ كبير..!! لكل قانونٍ انتهكتوه ولكل شرفٍ هتكتوه..!! لكل نداء استغاثة قمعتوه.. ولكل دمعة منعتوها.
مشهدٌ يتكرر في كل دقيقةٍ من كل يوم من أيام تلك البلد المنكوبة. في كل مرةٍ يهدم فيها بيت جديد لعائلة جديدة.. هناك عناق أخير.



