إعلان مدفوع

إعلان
اعلانك يحقق اهدافك لاتتردد
منوعات

حين تكون القيادة أثرًا .

قررت اليوم أن أكتب عن القيادة. لست خبيرة فيها، ولا أكتب لأخبر القادة كيف تكون القيادة الناجحة، وإنما لأن لي تجربة تمتد إلى إحدى عشرة سنة في بيئة العمل، عرفت من خلالها أن بعض التفاصيل التي قد لا نلتفت إليها قد تترك أثرًا كبيرًا في قلب الموظف؛ فتدفعه إلى التميز، أو تجعله يفقد شيئًا من ثقته بقائده ومن حوله.

وخلال هذه التجربة، رأيت صورًا مختلفة للقيادة؛ بين قائد يحترم فكرك، ويقدّر رأيك، ويحفزك ويشجعك، ويمنحك مساحة لتبدع وتتميز، وآخر يجعل أيام العمل تمضي حتى تفقد شيئًا من حماسك ورغبتك في العطاء.

وأعرف أن الإدارة مسؤولية ثقيلة، وأن صاحب المسؤولية ليس مطالبًا بأن يرضي الجميع، ولا أن يكون لينًا في كل موقف، ولا أن يتحول إلى مختص نفسي يواسي من حوله طوال الوقت.

فالعمل يحتاج إلى حزم، وإلى قرارات.

لكن الحزم لا يتعارض مع الاحترام.
والهيبة لا تحتاج إلى قسوة.
والشكر لا ينتقص من أحد.

فالإنسان يبقى إنسانًا، حتى وهو موظف.

وتختلف المهن والمكاتب والرواتب، لكن شيئًا واحدًا لا يتغير:

كلنا نحتاج أن نشعر أن جهدنا يُرى.

أتذكر أنني تحدثت يومًا مع أحد المسؤولين عن التقدير في بيئة العمل، وعن تلك الكلمات البسيطة التي قد ينتظرها الموظف بعد جهد:

شكرًا.
يعطيك العافية.
أحسنت.

فقال لي:

«حين تبصمين للحضور، ألا يقول لك جهاز البصمة: Thank you؟»

ربما قيلت العبارة على سبيل المزاح، أو كانت بالنسبة إلى قائلها مجرد رد عابر، لكنني أذكر أنني أجبته:

«وهذا ما يجعلني أتعجب أكثر؛ إذا كان جهاز البصمة يقول شكرًا، فكيف بالإنسان الذي وهبه الله عقلًا وقلبًا ولسانًا؟»

انتهى الحديث، وربما نسيه صاحبه منذ زمن.

لكنني لم أنسه.

فقد يقول الإنسان كلمة ثم ينساها، بينما يحملها من سمعها سنوات.

وفي نقاش آخر مع أحد المسؤولين، قلت له بصراحة:

«لو أنني أجلس معك الآن، واتصل بي أحد وعرض عليّ وظيفة أخرى، فسأقبل.»

فكان رده:

«نعم، الإنسان بطبيعته يبحث عن الأفضل.»

وبقيت هذه الإجابة في ذهني طويلًا.

نعم، كان محقًا في جزء منها. وأنا بالفعل أبحث عن الأفضل، وأطمح إلى راتب أعلى، وفرصة أجمل، ومكان أتطور فيه أكثر. ولا أرى في ذلك ما ينبغي للإنسان أن يخجل منه؛ فالطموح إلى حياة أفضل أمر طبيعي.

لكن ما جعلني أتوقف يومها أنني قلت لمسؤول، بهذه الصراحة، إنني مستعدة للمغادرة، ومع ذلك لم يُطرح السؤال الذي كنت أراه أهم من فكرة الرحيل نفسها:

ما الذي جعلك تصلين إلى هذه المرحلة؟

فالموظف حين يقول لمسؤوله إنه مستعد للمغادرة، قد لا يكون ينتظر منه أن يقنعه بالبقاء، ولا أن يقدم له عرضًا ماديًا أكبر؛ فقد تكون وراء كلمته أسباب تستحق أن تُسمع.

وربما كان سؤال واحد:

«لماذا؟»

سيفتح حديثًا مختلفًا تمامًا.

لأن قرار الرحيل لا يبدأ دائمًا يوم تصل فرصة وظيفية جديدة. أحيانًا يبدأ قبل ذلك بكثير؛ من مواقف تتراكم، ومن شعور يتكرر، ومن تفاصيل صغيرة قد لا ينتبه إليها أحد، حتى يصبح الرحيل خيارًا ممكنًا.

وقد يستمر الموظف في الحضور كل يوم، وينجز مهامه، ويؤدي ما عليه، وربما لا يلحظ من حوله أي تغير فيه، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن علاقته بالمكان ما زالت كما كانت.

فليس كل بقاء انتماءً، وأحيانًا يكون البقاء مجرد غياب للبديل.

وقد يحب الإنسان عمله فعلًا، لكنه لم يعد يحب الطريقة التي يشعر بها في مكان عمله.

وهنا تأتي القيادة.

وأقصد بالقائد هنا كل من تولّى مسؤولية عن آخرين؛ مديرًا كان، أو نائبًا، أو رئيس قسم، أو مشرفًا، أو قائد فريق.

فالمسؤولية لا تبدأ من حجم المكتب، ولا من المسمى المكتوب على الباب.

ولا يحتاج القائد إلى أن يصبح معلمًا أمام المعلم، وطبيبًا أمام الطبيب، أو أن يتقمص تخصص كل شخص أمامه ليثبت أنه يعرف ما يعرفه، وربما أكثر.

فنجاح القائد ليس في أن يكون نسخة من كل فرد في فريقه، بل في أن يعرف قيمة من أمامه، ويحترم تخصصه، ويمنحه المساحة ليؤدي دوره.

القائد لا يحتاج إلى أن يعرف كل شيء، لكنه يحتاج إلى أن يعرف كيف يقود من يعرفون.

يعرف متى يسأل ومتى يستمع، ومتى يتدخل ومتى يفوض، ومتى يحزم ومتى يلين.

ومتى يقول ببساطة:

هذا تخصصك، وأنا أثق بك.

وأعرف قيمة هذه الثقة لأنني عشتها.

فإلى جانب عملي الوظيفي، كنت معلمة في حلقة لتحفيظ القرآن الكريم لمدة ثماني سنوات، وعملت خلالها مع قائدة كانت تؤمن بي وبما أستطيع أن أقدمه.

كانت تقول لي:

«حفصه، إذا رأيتِ فكرة تؤمنين بنجاحها، أخبريني بها، ونتوكل على الله ونبدأ.»

كانت تمنحني مساحة لأفكر، وأجرب، وأقترح، وأنفذ.

ومع الوقت رأيت إنجازات لم تكن لتحدث بالطريقة نفسها لو أن كل فكرة بدأت بالتشكيك، أو لو أن من يقودني كان يريد أن يؤدي دوري بدلًا مني.

واليوم، حين أنظر إلى تلك السنوات، أعرف أن تلك القائدة لم تكن تدير عملي فقط.

كانت تبني شيئًا فيَّ.

وهذا الشيء بقي.

فالثقة ليست مجرد كلمة تشجيع؛ أحيانًا تكون بيئة كاملة ينمو فيها الإنسان.

هناك قائد يستخرج أفضل ما في موظفيه، وهناك قائد يجعل أفضل ما فيهم ينكمش حتى لا يعود يظهر.

ومن أجمل ما يفعله القائد أن يعرف فريقه فعلًا، وأن يرى قيمة كل فرد فيه؛ فنجاح العمل لا يصنعه شخص واحد، ولا دور واحد، ولا تخصص واحد. هناك من يقف في الواجهة، وهناك من يعمل خلفها، وقد يكون أقل ظهورًا، لكنه ليس أقل أثرًا.

ومن بين هؤلاء، هناك موظف أخشى أن يُظلم بطريقة مختلفة:

الموظف الهادئ.

ذلك الذي لا يجادل كثيرًا، ولا يرفع صوته كلما أضيفت إليه مهمة.

يستطيع؟ أعطوه.
لا يعترض؟ حمّلوه.
سينجز في النهاية؟ ضعوا عنده المزيد.

حتى يصبح اجتهاده سببًا في إرهاقه، وصمته سببًا في ضياع بعض حقه.

وهنا أسأل:

هل ينبغي للموظف أن يرفع صوته حتى يُحفظ حقه؟

ولا ينبغي أن يتحول الموظف المتعاون إلى الخيار الأسهل الذي تُسند إليه كل مهمة إضافية، فقط لأننا نعرف أنه في النهاية سيقول:

حاضر.

فأحيانًا لا يكون الصمت رضا، ولا يكون التحمل قدرة لا تنتهي، ولا تكون كلمة «حاضر» دليلًا على أن الإنسان لم يتعب.

وقد يستمر الإنسان في العطاء طويلًا، حتى يصل إلى مرحلة لا يعود فيها قادرًا على العطاء بالطريقة نفسها؛ لا لأنه أصبح أقل إخلاصًا، بل لأنه استنزف كثيرًا مما لديه.

وحين أتأمل معنى القيادة، أتوقف أمام قول الله تعالى مخاطبًا نبيه ﷺ:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾
[آل عمران: 159]

تأملت كيف اجتمع في الآية اللين والمشاورة ثم العزم؛ فلم يكن اللين نقيضًا للقيادة، ولم تكن الرحمة ضعفًا، ولم تمنع المشاورة من أن يأتي بعدها قرار وعزم.

وهذا هو التوازن الذي أبحث عنه حين أقول:

رفقًا.

لا أقولها لأنني أريد قائدًا لا يحاسب، ولا بيئة عمل تتحول فيها الحقوق والواجبات إلى مجاملات.

أقولها لأن خلف كل مسمى وظيفي إنسانًا.

وقد تمر السنوات، ويُذكر أمام الإنسان اسم من تولّى مسؤوليته يومًا، في مدرسة أو مستشفى أو شركة أو أي جهة عمل. قد ينسى تفاصيل كثيرة مما حدث بينهما، لكنه غالبًا لا ينسى كيف كان يُعامل.

ولهذا، بدلًا من أن يسأل صاحب المسؤولية:

هل يحبني من أعمل معهم؟

فليسأل نفسه سؤالًا آخر:

هل عدلت بينهم؟

هل احترمتهم؟

هل أعطيت كل إنسان مساحته؟

هل هناك مجتهد اعتدت عطاءه حتى نسيت أن تشكره؟

وهل خرج أحدهم يومًا من عندك بقلب مكسور، بينما مضيت أنت معتقدًا أن شيئًا لم يحدث؟

هذه الأسئلة لا تنتقص من القائد، بل تليق بثقل الأمانة التي يحملها.

وإلى الموظف الذي وجد شيئًا من نفسه بين هذه السطور: قد تمر بعض جهودك دون كلمة شكر، لكن هذا لا يعني أن جهدك بلا قيمة. أدِّ ما عليك بأمانة، واحفظ حق نفسك، ولا تجعل إخلاصك سببًا لأن تحمل فوق طاقتك حتى تنطفئ، ولا تجعل غياب تقدير إنسان يُنسيك أن أجرك عند الله لا يضيع.

وإلى كل من تولّى مسؤولية عن إنسان:

لا نطلب منك أن تكون كاملًا، ولا أن ترضي الجميع، ولا أن تتخلى عن الحزم.

نطلب فقط أن تتقي الله في الأمانة التي بين يديك.

فالمنصب سيمضي، والمسمى سيتغير، وقد لا يبقى من كل تلك السنوات إلا شيء واحد:

أثرك في الناس.

فاجعله أثرًا يسرك أن يبقى.

وإذا غادرت مكانك يومًا، فليكن أجمل ما يقال عنك، بعيدًا عن الألقاب والمناصب:

كان عادلًا… وكان إنسانًا.

بقلم حفصه عبدالله العطاس
Hau7966@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى