مقالات و رأي

عندما لا يأتي أحد .. عن أولئك الذين يُصلحون ما اختلّ بصمت

✍🏻/ ليلى سعد القحطانى

كنتُ أشعر بمللٍ ثقيل، ليس ذلك الناتج عن فراغ الوقت فحسب، بل عن فراغ أعمق، فراغ المعنى. أمسكتُ بجهاز التحكّم، أتنقّل بين أسماء الأفلام والمسلسلات دون رغبة حقيقية في المشاهدة، فقط أبحث عن شيء يقطع هذا السكون الداخلي. عناوين تمرّ سريعًا، كأنها أبواب موصدة بلا مداخل، حتى توقّف المؤشر عند اسمٍ رأيته كثيرًا، لكن لم يشدّني إلا هذه المرة: ( The Equalizer ).
لم يدفعني الاسم إلى الضغط على زر التشغيل، بل جعلني أتوقّف.
قرأته مرة واثنتين، محاوِلةً ترجمته في ذهني. أقرب ما وصلتُ إليه كان: “المُعادِل” “ذلك الذي يعيد التوازن”.
لم تكن الترجمة حرفية تمامًا، لكنها بدت قادرة على حمل الفكرة التي بدأت تتكوّن داخلي.
جلستُ أحدّق في الاسم وأفكّر: ما الذي يحكيه؟ من يكون هذا الذي يُصلح الخلل حين يميل كل شيء؟
وهل نحن فعلاً بحاجة إلى من “يُعيد التوازن ” عندما تميل الكفة؟
شعرت أن المسمى ليس مجرّد اسم لشيء نُشاهده، بل فكرة تتجاوز ظاهرها.
كأنها تقول إن هناك من يتدخّل حين تميل الكفّة، من يردّ الأمور إلى نصابها حين تغيب العدالة.
ولكن ،،،،،ماذا لو لم تكن تحكي عن شخص خارق؟
بل عن النقص الذي نعيشه كل يوم؛ نقص العدل حين يتأخّر، ونقص الطمأنينة حين يطول الظلم؟
ورُبما كان اسم العمل الفني هو ما لفت انتباهي أولًا، ليس لأنه يعد بمغامرة أو قصة مشوّقة، بل لأنه يوحي بشيء أعمق:
استعادة التوازن الذي نفتقده.
تساءلتُ: لماذا تجذبنا هذه المعاني؟ لماذا نرتاح لفكرة أن هناك من يُعيد التوازن حين يختلّ؟
لعلّها ليست مجرّد قصص نحبّها، بل حاجة نفسية دفينة.
ربما لأننا نرفض أن يميل الميزان حيث لا يجب،
فنشعر — ولو في الخيال — بحاجة إلى لمسةٍ خفيّة تُعيد التوازن.
أليس في داخل كلٍّ منّا رجاءٌ صغير بأن لا يترك أحدٌ الكفّة تميل وحدها؟
لسنا سُذّجًا في حبّنا لهذه الحكايات، بل عطاشى لعدالةٍ ما تأخّرت، وتوازنٍ طال غيابه.
حين تأملتُ الأمر، أدركت أن هذا “الذي يُعيد التوازن “لا يجب أن يكون منقذًا خارقًا، بل قد يكون فكرة، أو موقفًا، أو حتى كلمة جاءت في وقتها.
قد يكون شخصًا عاديًا اختار أن لا يسكت عن الخطأ، أو روحًا قررت أن تحترم ذاتها حين أوشكت أن تنهار .
أليس هذا الإنسان الحقيقي هو من يرى الكسر قبل أن يصدر صوتَه، ويرى الجرح… ولا يُكثِر الحديث عنه، بل يمدّ يده ليمنعه من الاتساع؟

رأيتُ ذلك الشاب الذي كان ينزلق إلى صحبة تجرّه نحو ما لا يُحمد عقباه،لكن شخصًا لم يوبّخه، ولم يواجهه، فقط دعاه بلُطف للمشاركة في نشاط تطوّعي بسيط.لم يدرك الشاب حينها أن هذه الدعوة كانت نقطة التحوّل….

وذاك الرجل المسنّ الذي صعد الحافلة ولم يجد مكانا للجلوس ، وكان على وشك السقوط عند المنعطف،فانتبه له شاب من الخلف، وأسرع نحوه، وأسنده قبل أن يميل و يقع، لا أحد لاحظ، ولا أحد صفّق. لكن أحدًا ما اختار أن يعدل الكفة بكتفه .

وتذكّرتُ طالبًة بدأت تنجرف نحو سلوكٍ عدواني في المدرسة، وكانت على وشك أن تُفصل ،حتى قررت أحد المعلمات أن تُشركها في لجنة طلابية وتمنحها مسؤولية حقيقية. شيئًا فشيئًا، بدأت تتغير….

بل حتى العامل البسيط الذي نَصح زميله الجديد بدلًا من تجاهله، لأنه تذكّر كم كانت البداية مربكة، وكم يعني أن تجد يدًا تُرشدك ولو بخطوة.

هؤلاء جميعًا لم ينقذوا العالم، ولم يُغيّروا قوانين الكون، لكنهم قاموا بما لم يفعله غيرهم: أعادوا التوازن حيث اختلّ، بصمت، ببساطة، بصدق.
هكذا تحوّل الملل إلى لحظة وعي، وتحوّلت فكرة عابرة إلى سؤالٍ عميق: من يعيد الاتزان حين لا يتحرك أحد؟
ربما لا يأتي أحد… لكن يكفينا أن ننهض مرة، لئلا نغرق تمامًا.
أغلقتُ شاشة العرض، ولم أشاهد شيئًا ، اكتفيتُ بالفكرة.
أحيانًا، لا نحتاج إلى فيلمٍ يملأ فراغ الوقت، بل إلى وميضٍ يهزّ المعنى، ويذكّرنا أن إصلاح الخلل ليس مهمة بطل خارق، بل مسؤولية إنسان يُدرك أثر اختياره… حتى لو بدأ كل شيء من مللٍ عابر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى