مقالات و رأي

لو كنتُ سانتا كلوز هذا العام

وصال أبو عليا
إعلامية وكاتبة فلسطينية

 لو كنتُ سانتا كلوز هذا العام، لما حملت أكياس الهدايا المألوفة، بل كنت سأحمل صمتًا عميقًا، ونداءً للأجساد المرهقة التي لم تجد الراحة منذ عقود.

كنتُ لأمسك بالوقت من طرفيه، لأعيد ترتيب ما تبقّى من العام في غزة، حيث الخراب يكتب وجوده على جدران المدارس، على أكتاف الأطفال الذين يعرفون معنى الخوف قبل أن يعرفوا معنى اللعب.

لو كنتُ سانتا كلوز، لوقفت عند أبواب البيوت المهدمة في القدس، أستمع لصدى الأرواح بين حجارتها القديمة، وأهمس للأطفال الذين أصبحوا ينظرون إلى السماء كمن يسأل عن معنى العدالة: “أنتم هنا، وهذه المدينة باقية بكم.”

كنتُ لأرى الشوارع كوعي حي، كل زقاق فيها يذكرني بما قاله باشلار عن الذاكرة:

العتبة التي تفصل بين زمنين، حيث يصبح الألم فعل وجود.”

كنتُ سأجلس على عتبات باب العامود، وأوزّع على حجارتها قدرة إضافيةً على الصمود، وعلى الأزقة ضوءا يشتعل كلّما عبر فيها جندي غاضب.

ولو وصلت طولكرم وجنين ورام الله، حيث البيوت تُهدم، والمخيمات تصنع من الخراب مأوى، كنتُ سأجمع كل هشاشة البشر في قبضة واحدة، وأخبرهم: “الخطر موجود، لكن الوعي أقوى من الخراب.”

كنتُ لأتذكر كلمات كامو: “في قلب الشتاء، هناك صيف لا يُقهر داخلنا”… هذا الصيف الذي يطفو من عيون الأطفال، من عزيمة النساء، من صمت الرجال الذين ما زالوا يقفون رغم كل شيء.

لو كنتُ سانتا كلوز، لقرأت على الشهداء أن حضورهم لم يمت، وأن الألم ليس فقدًا فقط، بل لغةٌ وجودية، تعلّمنا كيف نكون أحياءً في عالم يُصرّ على اختبارنا.

كنتُ لأرى في الخراب نصًا فلسفيًا، كما يرى نيتشه في الألم طريقًا للامتلاء، لا للانهزام. كنتُ لأتلمس في الغياب حضورًا، وفي الدمار معنى، وفي الحزن وعيًا.

كنتُ سأحمل معهم مرايا صغيرة، لأريهم أن النجاة ليست حياة، بل فهمٌ عميق للوجود، وأن الصمود ليس اختيارًا، بل تجربة مستمرة للفلسفة الحية: كيف نكون، ونحن محاطون بما يحاول مسحنا من الوجود؟

ولو كان لي أن أختم، لقلتُ: العام الجديد ليس وعدًا. بل مساحة فارغة، صفحة صافية، فرصة لنرى أنّنا ما زلنا هنا. وأنّنا، رغم كل الخراب، رغم كل الحزن، رغم كل النزف، قادرون على خلق معنى في كل ثانية تمرّ على هذه الأرض.

أنا لستُ سانتا كلوز حقًا…

لكني امرأة، تقف على أطراف هذا العام، تمسك بالأسئلة كما تمسك الأرض، وتتعلم أن البقاء، في زمنٍ يختبر كل شيء، ليس بطولة؛ بل صيرورة متواصلة للوعي، وحيثما الوعي موجود، هناك حياة، هناك ضوء، هناك صيف لا يُقهر، ولو في قلب الشتاء.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى