التخطيط الاستراتيجي للتعليم .. كيف نصنع لمستقبل تعليمي دون أن نفقد هويتنا؟.

البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي..
أستاذ جامعي سابق- مستشار التخطيط الإستراتيجي والقيادة.
كل دولة في العالم تهتم وتعنى بالتعليم لأن التعليم هو الذاكرة الحية لأي دولة والعقل الذي تبصر به مستقبلها ، و به تصان الهوية من الذوبان وفيه تتحول القيم إلى سلوك والمعرفة إلى قوة ناعمة تساعد على البناء فهو الإستثمار الوحيد الذي يزداد عطاء كلما أنفقت عليه الدول وهو الركيزة التي تقوم عليها السيادة، والإستقرار، وإزدهار الإنسان قبل إزدهار العمران.
ويقول الحكماء “دولة تُحسن التعليم إنما تكتب لنفسها مكاناً واثقاً بين الأمم” لأن الأوطان كما تُقاس بما تملك من ثروات فإنها تقاس كذلك بما تُخرّجه من عقول واعية ونفوس مسؤولة..
خاصة في زمن تتسارع فيه التحولات العالمية إذ لم يعد التعليم ترفاً فكرياً نتباهى به بل أصبح ركيزة وجود وبناء حضاري عظيم لذلك فإنه يتوجب على أي دولة التخطيط له ، إذ أن التخطيط الإستراتيجي للتعليم لم يعد خياراً إدارياً، بل ضرورة وطنية تمس هوية المجتمع ومستقبله والحمدلله فإن التخطيط للتعليم في المملكة العربية السعودية يكتسب بعداً أعمق لأنه ينطلق من مرجعية راسخة، وقيم ثقافية متجذرة ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ ، وتراث حضاري عريق ولله الحمد..
ولو تحدثت عن التخطيط فإن الثقافة الإسلامية سبقت في ذلك
النظريات الإدارية الحديثة في الدعوة إلى التخطيط والنظر إلى المستقبل حين ربط العمل بالغاية والمسؤولية بالمآل، في قول الله عزوجل : (َ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾
(يوسف: 47–48)..ويتجلى هنا مفهوم التخطيط الإستراتيجي بوضوح في القرآن الكريم من خلال قصة نبي الله يوسف عليه السلام حيث قدم نموذجاً متكاملاً للتخطيط طويل المدى، الذي يقوم على إستشراف المستقبل وإدارة الموارد بكل إقتدار والإستعداد لمواجهة الأزمات كما ورد في الآية وهو ما يُعد أصلاً قرآنياً لمفهوم التخطيط الإستراتيجي في إدارة الشأن العام بما في ذلك التعليم..
فالتخطيط في عمقه وجوهره ليس أرقاماً تكتب وجداول تملاً ثم تخفظ في الأدراج ، بل هو وعي ورسالة.
وتسير المملكة اليوم ولله الحمد بخطى واثقة نحو تطوير منظومتها التعليمية في ظل رؤية سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان 2030، حيث لم يعد الهدف تخريج طالب حافظ، بل إنسان واع معتز بدينه، منتمٍ لوطنه الغالي وقادر على المنافسة عالمياً..
و التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة الخطط الإستراتيجية بل يكمن في تحويلها إلى ممارسات واقعية حية داخل المدرسة والجامعة.
إن التخطيط الإستراتيجي للتعليم مطالب اليوم بأن يوازن بين الحداثة والأصالة .. وأقصد هنا بالحداثة المهارة في إستخدام الأدوات والأساليب العلمية المعاصرة في إدارة الموارد، وصناعة القرار، وإستشراف المستقبل، وتحسين الكفاءة وأن يستفيد من التقنيات الحديثة دون أن يذيب الهوية، وأن يطور المناهج دون أن يفرغها من القيم. فالتعليم الذي يفقد روحه الأخلاقية يفقد أثره مهما بلغت كفاءته التقنية.
والمستقبل التعليمي الذي يفرض نفسه وننشده، هو مستقبل يصنعه التخطيط الواعي، وتغذيه القيم الإسلامية والذي يقوم على التخطيط القائم على البيانات (Data-driven planning)، وبناء الرؤية والرسالة والأهداف القابلة للقياس ويشمل كذلك ا لتحليل الإستراتيجي للبيئة التعليمية مثال (SWOT PESTEL) ، والتركيز على إدارة الجودة والمؤشرات وصياغة سيناريو للتخطيط طويل المدى
والقدرة على إستثمار التقنية الحديثةوالتحول الرقمي والحوكمة الأداء والمساءلة والشفافية..
فالتخطيط الإستراتيجي للتعليم هو فعلاً مشروع بناء إنساني إذ يعتبر مشروع لصناعة الإنسان وما سواه يأتي تبعاً لا أصلاً..
فالتخطيط للتعليم ليس برنامجاً للتنمية فقط بل هو رؤية لتكوين الإنسان وتهذيب عقله وبناء وعيه.



