كيف ننهض بالجامعات دون الهوس بالتصنيفات: رؤية إستراتيجية نحو المستقبل.

بقلم: بروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي
أستاذ علم البيولوجيا ومستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي والقيادة
في كل مرة نقرأ فيها خبراً عن جامعة ما تقدمت في تصنيف عالمي، أو حققت قفزة رقمية في ترتيب دولي يبرز لي سؤال داخلي أعمق من الرقم ذاته آلا وهو هل التقدّم الحقيقي للجامعات يُقاس بالمراكز أم بمدى قدرتها على أداء رسالتها العلمية والمجتمعية؟.
هذا السؤال لا يقلل من أهمية التصنيفات لكنه يعيد وضعها في سياقها الصحيح بوصفها أداة قياس، لا غاية نهائية حيث أنه
في ظل التطورات العالمية السريعة، أصبحت الجامعات اليوم أكثر من مجرد مؤسسات تعليمية فهي محركات التنمية الفكرية والإقتصادية، والإجتماعية لأي دولة تطمح للتقدم.
ومع ذلك، لاحظنا في السنوات الأخيرة ميل بعض الجامعات إلى الإنشغال الزائد بتصنيفات الجامعات العالمية معتقدة أن الرقم في القائمة هو مقياس النجاح الأقوى ، غير أن الواقع مختلف تماماً ، فالهوس بالتصنيفات قد يحرف الجامعات عن رسالتها الأساسية تخريج قادة قادرين على الإبتكار وإجراء بحوث علمية تخدم المجتمع والمساهمة الفعلية في التنمية الوطنية.
والحقيقة التي أؤمن بها أن الجودة قبل الأرقام لأن إعادة تعريف النجاح الجامعي أول خطوة نحو النهوض والرقي بالجامعات هي إعادة تعريف مفهوم النجاح.
والنجاح الحقيقي ليس ترتيب الجامعة في قائمة التصنيفات العالمية، بل مدى تأثيرها في المجتمع وهذا يتطلب التركيز على الأتي :-
– جودة التعلم التعليم بحيث يكتسب الطلاب مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات والإبداع.
– قوة البحث العلمي الذي يخدم الإقتصاد الوطني والمجتمع بحوث صلبة يستفاد منها لا مجرد زيادة عدد الأوراق البحثية المنشورة ومن ثم تحبس في الأدراج !!
– تطوير برامج أكاديمية مبتكرة تتماشى مع الإحتياجات الوطنية والرؤية الإستراتيجية للدولة.
– البحث العلمي الذي يخدم المجتمع وتستطيع من خلاله التحول من تصنيف الأرقام إلى خدمة المجتمع..
إن الهوس بالتصنيفات غالباً ما يوجه البحث العلمي نحو ما يُنشر فقط في المجلات المرموقة، بغض النظر عن أثره العملي بينما النهوض الحقيقي للجامعات يتمثل في توجيه البحث العلمي لحل المشكلات الوطنية، مثل الصحة العامة، الطاقة المستدامة، التقنية الحديثة، والاقتصاد الرقمي ، وهذا النهج لا يرفع مكانة الجامعة في التصنيفات فحسب بل يحقق تأثيراً مباشراً على المجتمع، ويخدم أهداف رؤية المملكة 2030 في تطوير الإقتصاد المعرفي وتعزيز الإبتكار.
لذلك تحتاج الجامعات لتعليم متميز ومبتكر لبناء جيل أو أجيال المستقبل.. ولتحقيق التميز، يجب على الجامعات تحديث المناهج، وتعزيز التعلم العملي المهاري والتفاعلي، وربط التعليم بالواقع الإقتصادي والإجتماعي. وفي الحقيقة أن الطالب الذي يتعلم التفكير النقدي والابتكار يصبح قادراً على الإسهام في التنمية الوطنية بشكل مباشر.
كما أن دمج التكنولوجيا في التعليم، مثل الذكاء الإصطناعي والتعلم الرقمي والتعلم عن بعد، يتيح للجامعات أن تتفوق على الصعيدين المحلي والدولي دون الحاجة للتركيز فقط على أرقام التصنيفات بل لا تحتاج الجامعات ولن تعتمد عليها إذ أن الحكم هو مخرجاتها المؤهلة..
وما تحتاجه الجامعات هو القيادة الجامعية والإدارة الإستراتيجية إذ يعتمد نجاح أي جامعة ويرتكز على قيادة إستراتيجية قادرة على رؤية المستقبل، وتحفيز أعضاء هيئة التدريس والطلاب، واتخاذ قرارات رشيدة.
الإدارة الفعالة تُعنى بتطوير الخطط طويلة المدى، وضمان استدامة الموارد، وقياس مؤشرات الأداء الأكاديمي والبحثي بشكل مستمر.
هذه القيادة هي التي تضمن أن تبقى الجامعات محركاً للتنمية الوطنية ومتوافقة مع أهداف رؤية 2030، دون الإنجراف وراء مؤشرات خارجية قد تكون سطحية وربما غير دقيقة..
مازنريده ونبتغيه في جامعاتنا هو الربط مع المجتمع والصناعة..حيث إن جامعة المستقبل هي التي تنفتح على المجتمع والصناعة، وتصبح شريكاً استراتيجياً للتنمية الوطنية.
ويمكن للجامعات أن تسهم في تنمية الإقتصاد الوطني من خلال عدد من الأعمال والمشاريع والبرامج :-
-حاضنات الأعمال والمشاريع التطبيقية.
– برامج تدريبية للطلاب والخريجين ترتبط مباشرة بسوق العمل.
-الشراكات مع القطاعات الصناعية لتعزيز البحث التطبيقي والإبتكار.
وهذا التوجه يعكس بدقة أهداف رؤية 2030 في تطوير الإقتصاد المعرفي، وتحفيز الإبتكار وريادة الأعمال، وربط التعليم بسوق العمل وهو السبيل الحقيقي لتقوية الجامعات دون الإنجراف والإنشغال بالمؤشرات الشكلية..
والإنفتاح على العالم الخارجي الدولي يجب أن يكون ذكياً وإستراتيجياً والقصد بالإنفتاح الذكي لا يعني كثرة الإتفاقيات وعددها ولا عدد الزيارات، ولا كثافة الصور التذكارية، بل يعني اختياراً واعياً للشراكات التي تُضيف قيمة حقيقية للجامعة.
يعني هو انتقال من التواصل من أجل الظهور إلى التعاون من أجل الأثر ووضع البصمة..
والإنفتاح الذكي يعني أن تسأل الجامعة نفسها قبل أي شراكة ترتبط بها
– ماذا نريد أن نتعلم؟
– أي فجوة نريد سدّها؟
– وكيف سينعكس هذا التعاون على برامجنا، وباحثينا وطلابنا؟؟
وذلك من خلال تبادل الخبرات الأكاديمية والبحثية، برامج التبادل الطلابي، والشراكات مع الجامعات المرموقة عالمياً فهذا النهج الذكي يرفع مستوى الجامعة ويعزز سمعتها دون أن تصبح الأرقام هي الهدف النهائي.
وخلاصة الكلام فإن الهوس بالتصنيفات ربما قد يغطي على الجوهر الحقيقي للجامعة في التعليم المتميز، البحث العلمي الذي يخدم المجتمع، وتنمية جيل قادر على الإبتكار والقيادة.
والنهوض بالجامعات يتطلب إرادة قوية، رؤية إستراتيجية واضحة وخطط إستراتيجية يشترك فيها الجميع ، وقيادة حكيمة، وربط مباشر بالخطط الوطنية وأهداف رؤية 2030. هذه هي المعادلة الحقيقية للنجاح الأكاديمي، الإجتماعي، والإقتصادي في هذا القرن الحادي والعشرين قرن الثورات العلمية والتكنولوجية..



