مقالات و رأي

السكرتير الحديث… هل الذكاء الاصطناعي مهارة أم بديل؟

كتبته : أ / منى الصبي

في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، ومع الحضور المتنامي للذكاء الاصطناعي في بيئات العمل، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه:
هل أصبح الذكاء الاصطناعي مهارة أساسية للسكرتير الحديث، أم أنه بديل قد يُنهي دوره؟
لطالما شكّل السكرتير عنصرًا محوريًا في أي منظمة، سواء في القطاع الحكومي أو الخاص، إذ لا يقتصر دوره على تنفيذ المهام الإدارية، بل يتجاوز ذلك إلى تنظيم الأولويات، إدارة الوقت، تنسيق الأعمال، وحفظ أسرار العمل المؤسسي. غير أن ظهور الأنظمة الذكية القادرة على إدارة الجداول، معالجة البيانات، إعداد التقارير، والردود الآلية بسرعة وكفاءة عالية، أعاد طرح التساؤلات حول مستقبل هذا الدور.
وقبل الإجابة عن هذا التساؤل، لا بد من الإقرار بأن جزءًا من المهام التقليدية للسكرتير أصبح بالفعل قابلًا للأتمتة، وهو واقع لا يمكن إنكاره. إلا أن هذا التحول لا يعني تلاشي الدور، بقدر ما يؤكد ضرورة تطوّره وإعادة تعريفه بما يتلاءم مع متطلبات العصر.
فالسكرتير الحديث لم يعد مطالبًا بمنافسة الآلة، بل بإدارتها بذكاء. وهنا يكمن الفارق الجوهري بين سكرتير تقليدي يقتصر دوره على تنفيذ التعليمات، وآخر حديث يمتلك الوعي الرقمي، ويجيد توظيف الأدوات الذكية لتسهيل العمل، تقليل الضغوط، ورفع كفاءة الأداء المؤسسي.
ورغم ما يقدمه الذكاء الاصطناعي من إمكانات متقدمة، فإنه يظل أداة تقنية تفتقر إلى البعد الإنساني. فلا يمكن للأنظمة الذكية أن تحل محل مهارات التواصل، وبناء العلاقات، وفهم السياق المؤسسي، أو الإسهام في صناعة السمعة المهنية. فالذكاء الاصطناعي محرك فعّال، أما السكرتير فهو القائد الذي يوجّه هذا المحرك ويمنحه المعنى.
ومن خلال تجربتي المهنية، لاحظت أن الكثيرين يركزون على الذكاء الاصطناعي باعتباره بديلًا للسكرتير لإنجاز المهام بسرعة، دون مراجعة أو فهم عميق لما تنتجه الأنظمة. هذا الأسلوب قد يؤدي إلى أخطاء كبيرة، وقد يوقع المسؤول في مشكلات قانونية أو تنظيمية لاحقًا، مما يؤكد أن دور السكرتير لا يمكن استبداله، بل يجب أن يكون واعيًا وموجّهًا للأدوات الذكية بشكل صحيح.
ومن هنا، تتجلى أهمية التحول نحو مفهوم السكرتير الحديث؛ ذلك المهني القادر على الجمع بين المهارات الإدارية، والكفاءة الرقمية، والذكاء الاجتماعي، بما يشمله من وعي بالعلاقات، وحسن تمثيل للمنظمة، وقدرة على إدارة التفاعل الإنساني داخل بيئة العمل وخارجها.
وفي زمن الذكاء الاصطناعي، لم يعد السؤال: هل سيختفي دور السكرتير؟
بل الأهم: أي نوع من السكرتير نريد أن نكون؟
سكرتيرًا تقليديًا ينتظر المهام، أم سكرتيرًا حديثًا يمتلك الأدوات الذكية، ويقود العمل بوعي واحتراف؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى