مقالات و رأي

بين نُبل التضحية وحقّ النجاة ..

✍🏻 : إسماعيل محمد الفقيه
baish 702@gmail.com

هناك أناسٌ يولدون وفي قلوبهم ميلٌ فطريّ إلى التضحية ؛ يحملون المركب على أكتافهم ويظنون أن البحر سيكافئهم على نُبلهم .
يجدّفون بصمت ، ويسندون المتعبين ، ويؤجلون أنفسهم دائمًا إلى آخر الصف . لكن البحر — كالحياة — لا يعرف لغة المجاملات ، ولا يعترف إلا بقوانينه القاسية .
وحين يعلو الموج ، لا يسأل : من الذي ضحّى أكثر ؟
بل يجرف الجميع ، وغالبًا يبدأ بمن أنهكهم العطاء .
ليست المشكلة في التضحية ذاتها ؛ فهي من أنبل ما في الإنسان .
لكن المأساة تبدأ حين تتحول التضحية إلى استنزاف ، وحين يصبح المرء جسرًا يعبر عليه الآخرون دون أن يلتفتوا إلى الشقوق التي تتسع في روحه .
عندها يكتشف ، متأخرًا أحيانًا ، أن إنقاذ الآخرين لا ينبغي أن يكون على حساب غرقه الشخصي .

إن بناء “حيطة سد” بينك وبين من يستهين بك ليس قسوة ، بل شكل من أشكال الحكمة .
فالقلب الذي يبقى بلا حدود يصبح ساحةً مفتوحة لكل عابر ، وحدود الإنسان ليست أنانية ، بل هي حراسة لكرامته وتوازنه .
أن تعطي ، نعم — ولكن دون أن تفرغ نفسك .
أن تحب ، نعم — ولكن دون أن تلغي ذاتك .

في النهاية ، لا تمضي الحياة بمن يضحون حتى الفناء ، بل بمن يعرفون كيف يوازنون بين العطاء وصون النفس . فالمركب لا تحتاج إلى بطلٍ يغرق من أجلها ، بقدر ما تحتاج إلى ربانٍ يعرف متى يجدّف …
ومتى يحمي نفسه من الموج ..

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى