دعاء ختم القرآن في ليلة التاسع والعشرين من المسجد الحرام: مشهد روحاني ومعان جامعة

بقلم: بروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي
أستاذ علم البيولوجيا ومستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي والقيادة.
أروع المشاهد التي يسر الإنسان أن يراها هذا التجمع البشري المبارك في هذه البقعة المباركة.. تجمع بشري من جميع دول العالم وجنسيات متعددة، مختلفة في العادات والتقاليد، ولكن يجمعهم دين واحد وعقيدة واحدة هي دين الإسلام. في هذا المشهد الإيماني الفريد، تتلاشى الفوارق بين الناس، وتذوب الحواجز الجغرافية والثقافية، ليقف الجميع صفاً واحداً في رحاب المسجد الحرام، متجهين بأفئدتهم وقلوبهم قبل وجوههم إلى الله، في ليلة يُرجى أن تكون ليلة القدر وأن يتقبلها الله..
في ليلة التاسع والعشرين من شهر رمضان، يبلغ المشهد الروحاني ذروته، حيث يُختتم كتاب الله بدعاءٍ جامع مهيب، لفضيلة الشيخ الدكتور عبد الرحمن السديس، في لحظة تختلط فيها العبرات بالدعوات، وترتفع فيها الأكفّ رجاء القبول والمغفرة. ولا يقتصر هذا الدعاء على كونه ختاماً للتلاوة، بل يمثل خلاصةً لمضامين الإيمان، وتعبيراً صادقاً عن احتياجات الإنسان الروحية في أسمى صورها.
استهل الدعاء فضيلته بحمد الله والثناء عليه استهلال يعكس عمق العبودية وأدب المناجاة وحسن التعامل مع الله عزوجل .
وتتوالى الأدعية والإبتهال إلى الله التي نطمع فيها بأن يٌعلي من القرآن الكريم شأن المسلمين ويكون نوراً ونبراساً في حياتهم “اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا وغمومنا” في إشارة إلى دور القرآن في تحقيق الطمأنينة والهداية.
ومن الجميل بأن يتكرر في الدعاء طلب التوفيق لفهم كتاب الله والعمل به، “اللهم ذكرنا منه ما نُسّينا، وعلّمنا منه ما جهلنا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا”، وهو تعبيرعظيم عن إدراك عميق بأن التلاوة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة للإصلاح والتزكية للنفس البشرية حيث يُستكمل هذا المعنى بالدعاء بأن يكون القرآن حجةً للمسلم لا حجة عليه، وأن يكون سبباً في رفع الدرجات وتكفير السيئات.
ويمتد الدعاء ليشمل قضايا الأمة الإسلامية، حيث تتردد العبارات الجامعة الجميلة “اللهم أصلح أحوال المسلمين، ووحّد صفوفهم، وألّف بين قلوبهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم”. ويعكس هذا البعد الجماعي روح التضامن الإسلامي، ويؤكد أن العبادة في الإسلام لا تنفصل عن الإحساس بمصير الأمة ووحدتها.
وفي لحظات الخشوع العميق، تتردد الأدعية التي تمسّ حاجة الإنسان إلى العفو والرحمة، “اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عنا”، وهي من أكثر العبارات تأثيراً في النفوس، لما تحمله من معان إيمانية صادقة في طلب الصفح والمغفرة من الله وكذلك طلب القبول من عزوجل “اللهم تقبّل منا صيامنا وقيامنا وسائر أعمالنا، واختم لنا شهر رمضان برضوانك والعتق من نيرانك”.
وأعظم غاية في الدعاء هو الدعاء بطلب الفوز بالجنة والنجاة من النار، في الدعاء الجامع “اللهم إنا نسألك الجنة وما قرّب إليها من قولٍ وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرّب إليها من قولٍ وعمل”. ثم تُختم هذه اللحظات الإيمانية بالصلاة والسلام على نبي الأمة ونورها نبينا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهو تأكيداً على الاقتداء بهديه والسير على سنته عليه أفضل الصلاة وأتم السلام في كل شأن من شؤون حياتنا وديننا ..
عزيزي القارئ إن دعاء ختم القرآن في المسجد الحرام، خاصة في ليلة التاسع والعشرين، ليس مجرد شعيرة تُؤدى، بل هو تجربة إيمانية متكاملة، تتجسد فيها معاني الخضوع، والرجاء، والتوبة، والتكافل. وفي هذا المشهد، تتوحد القلوب على كلمة واحدة، وترتفع الأصوات بدعاء واحد، في لوحة إنسانية وروحية نادرة، تذكّر بعظمة هذا الدين، وبقدرته على جمع البشر تحت راية التوحيد.
وهكذا، يبقى هذا الدعاء شاهداً حياً على عمق التجربة الإيمانية في الإسلام، وعلى جمال تلك اللحظات التي يلتقي فيها الإنسان بربه في أصدق حالات التضرع، راجياً رحمته، طامعاً في مغفرته، ومستبشرًا بقبوله.
ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أدعو وأبتهل إلى الله بالرحمة والغفران لموحد المملكة العربية السعودية الملك عبد العزيز آل سعود ، وملوك المملكة السابقين، واجزهم اللهم خير الجزاء، واحفظ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود ووفقه، وبارك وأحفظ ولي عهده الأمير محمد بن سلمان آل سعود وسدد على طريق الخير خطاه، وأعن القائمين على خدمة الحرمين الشريفين، واكتب لهم الأجر والمثوبة وخير الجزاء.



