مقالات و رأي

قرارات جامعة الملك سعود في ضوء الاستراتيجيات الجامعية: نحو كفاءة أعلى أم إعادة تعريف للدور الجامعي؟

بقلم: بروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي
أستاذ علم البيولوجيا ومستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي والقيادة

أطلعت على ما ورد من قرارات وسياسات حديثة في جامعة الملك سعود، والتي تأتي ضمن سياق التحولات التي يشهدها قطاع التعليم الجامعي، وما يصاحبها من سعي نحو تطوير الأداء وتعزيز جودة المخرجات. ولا شك أن بعض هذه التوجهات يعكس جهوداً واضحة للإرتقاء بالكفاءة وتحقيق مواءمة أفضل مع متطلبات المرحلة، وهو أمر يستحق التقدير. وفي المقابل، تثير بعض الجوانب الأخرى في نفسي تساؤلات مشروعة حول آثارها المحتملة على تنوع المسارات الأكاديمية ودور الجامعة في أبعاده الأوسع، الأمر الذي يستدعي قراءة متأنية لهذه القرارات في إطار توازنها بين الكفاءة والشمول خاصة وأنه في الوقت الحالي يشهد قطاع التعليم العالي تحولات متسارعة على المستويين الإقليمي والدولي، وفي هذا السياق تبرز القرارات الأخيرة لجامعة الملك سعود بوصفها مؤشراً مهماً على توجهات حديثة في صياغة السياسات الجامعية، سواء على مستوى الإجراءات التنظيمية أو على مستوى الرؤية التي تؤطر دور الجامعة في المجتمع.

ففي إطار جهود التحول المؤسسي وتعزيز الكفاءة التشغيلية، أعلنت الجامعة عن حزمة من الإجراءات، من أبرزها: اعتماد القبول المباشر في برامج البكالوريوس بديلاً عن نظام المسارات، وإعادة النظر في القبول في عدد من الكليات، مثل اللغات وعلومها، والتربية، وعلوم الأغذية والزراعة، إلى جانب تطوير معايير القبول في بعض التخصصات النوعية كـالطب والهندسة وعلوم الحاسب من خلال التركيز على مؤشرات أكاديمية مرتفعة.

وعلى المستوى العام، يبدو هذا التوجه منسجماً مع أولويات الاستراتيجيات الجامعية الحديثة التي تركز على رفع الكفاءة، وتحسين جودة المخرجات، وتعزيز المواءمة مع سوق العمل. غير أن قراءة أعمق لهذه التحولات تشير إلى أنها لا تقتصر على تحسين الأداء، بل تمتد إلى إعادة تشكيل بعض ملامح الدور الجامعي ووظائفه.

وعند النظر إلى هذه التوجهات في ضوء التجارب الدولية، يمكن ملاحظة تقاربها مع بعض النماذج الأوروبية، لا سيما في المملكة المتحدة، حيث يعتمد نظام القبول المباشر والتخصص المبكر، وهو ما يسهم في رفع الكفاءة وتقليل الهدر التعليمي، لكنه يفترض في الوقت ذاته قدرة مبكرة لدى الطالب على تحديد مساره الأكاديمي.
في المقابل، تتبنى العديد من الجامعات في الولايات المتحدة نموذجاً أكثر مرونة يقوم على القبول العام وتأجيل اختيار التخصص، بما يتيح مساحة أوسع لاكتشاف القدرات وتعزيز التنوع الأكاديمي.

أما بعض الجامعات العالمية المرموقة، مثل جامعة كامبريدج، فتميل إلى تحقيق قدر من التوازن بين الانتقائية الأكاديمية العالية والحفاظ على تنوع التخصصات، بما في ذلك العلوم الإنسانية، وهو ما يعكس أهمية الجمع بين الكفاءة والشمول في آن واحد.

ومن الناحية الأكاديمية، يمثل التحول إلى القبول المباشر انتقالاً من نموذج الاكتشاف التدريجي إلى نموذج يعتمد على الحسم المبكر في اختيار التخصص، وهو ما قد يحدّ نسبياً من فرص استكشاف الطلبة لميولهم وقدراتهم قبل اتخاذ قرارات مصيرية.

كما أن الاعتماد المكثف على المؤشرات الرقمية، مثل النسب الموزونة، قد لا يعكس بصورة كاملة جميع أبعاد التميز الأكاديمي، التي تشمل مهارات التفكير النقدي والإبداع والقدرة على التحليل.

وفي حين تسهم المعايير المرتفعة في التخصصات النوعية في تعزيز التنافسية ورفع مستوى الأداء، فإنها قد تؤدي – في بعض الحالات – إلى تقليص التنوع الأكاديمي، وهو عنصر مهم في بيئات التعلم المتقدمة، حيث تسهم تعددية الخلفيات والقدرات في إثراء التجربة التعليمية.

أما ما يتعلق بإعادة النظر في القبول ببعض الكليات، فيستدعي نقاشاً استراتيجياً أوسع، نظراً لأهمية هذه التخصصات في بناء المنظومات الوطنية. فالتخصصات التربوية، على سبيل المثال، تمثل ركيزة أساسية في إعداد الكوادر التعليمية، كما أن اللغات تسهم في تعزيز الحضور الثقافي والمعرفي، في حين ترتبط مجالات الزراعة والأغذية بأبعاد حيوية تتصل بالأمن الغذائي والتنمية المستدامة.

ومن منظور استراتيجي، يمكن فهم هذه القرارات في إطار السعي إلى تحسين المؤشرات القابلة للقياس، مثل معدلات التوظيف والتصنيفات العالمية، إضافة إلى تعزيز الكفاءة المالية من خلال التركيز على التخصصات ذات العائد المرتفع. ومع ذلك، فإن هذا التوجه – رغم وجاهته – يثير تساؤلات حول مدى توازنه مع الأدوار طويلة المدى للتعليم في بناء مجتمع متكامل ومستدام.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن هذه التحولات تعكس توجهاً نحو تعزيز البعد المهني والتطبيقي في التعليم الجامعي، وهو توجه يحمل العديد من الإيجابيات، لكنه يتطلب في الوقت ذاته الحفاظ على الأبعاد الإنسانية والثقافية التي تمثل جزءاً أصيلاً من رسالة الجامعة.

وعلى المستوى المجتمعي،قد يكون لهذه السياسات أثراًمزدوجاً إذ يمكن أن تسهم في إعداد كوادر عالية الكفاءة في مجالات حيوية، وفي الوقت ذاته قد تزيد من مستوى التنافس بين الطلبة، وتحدّ نسبياً من تنوع الفرص المتاحة، وهو ما يستدعي العمل على إيجاد مسارات تعليمية موازية تستوعب مختلف القدرات والاهتمامات.

وخلاصة القول، إن هذه القرارات لا تمثل إشكالية في حد ذاتها، بقدر ما تبرز أهمية تحقيق التوازن في تطبيقها.. فهي تعكس توجهاً واضحاً نحو الكفاءة والتميز، وهو توجه مهم جداً إلا أن نجاحه يرتبط بمدى قدرته على الاندماج مع مبادئ الشمول والتنوع، بما يضمن استمرارية الدور الشامل للجامعة.

وفي المجمل، لا يكمن التحدي في تبني سياسات تطويرية طموحة، بل في تحقيق معادلة متوازنة تجمع بين التميز الأكاديمي والعدالة التعليمية، وبين الكفاءة التشغيلية والدور المجتمعي، بما يسهم في بناء منظومة تعليمية متكاملة تلبي احتياجات الحاضر وتستشرف متطلبات المستقبل.
وفي نهاية المطاف، تبقى الجامعات تُقاس بقدرتها على تحقيق التوازن بين التميز الأكاديمي واتساع الأثر المجتمعي، وكلما نجحت السياسات التعليمية في الجمع بين الكفاءة والشمول، اقتربت من بناء مستقبل معرفي أكثر استدامة وإنصافًا..

وتظل جامعة الملك سعود واحدة من أبرز المؤسسات الأكاديمية الرائدة بما حققته من منجزات علمية وإسهامات مؤثرة في بناء المعرفة وخدمة المجتمع

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى