مقالات و رأي

تحولات النموذج المعرفي في الجامعات: من التخصصات التقليدية إلى معالجة القضايا المركبة.

بقلم: بروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي
أستاذ علم البيولوجيا ومستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي والقيادة.
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، لم يعد النقاش حول تطوير التعليم العالي ترفاً فكرياً ، بل أصبح ضرورة إستراتيجية تمس جوهر دور الجامعة ووظيفتها الحضارية. وفي هذا السياق، قرأت لعدد من الكتاب رؤية نقدية عميقة تتجاوز حدود الإصلاح التقليدي، لتصل إلى مساءلة البنية التي يقوم عليها تنظيم المعرفة داخل الجامعات، متسائلين عمّا إذا كان نموذج الكليات والتخصصات بصيغته الراهنة ما يزال قادراً على الاستجابة لتحديات العصر.؟؟

إن هذا الطرح يتقاطع مع تحولات عالمية متسارعة في فلسفة التعليم العالي حيث لم تعد المعرفة تُنتج أو تُدرّس ضمن حدود تخصصية مغلقة، بل ضمن مساحات تفاعلية تتقاطع فيها الحقول العلمية ويُعبر عن هذا التوجه في أدبيات التعليم الحديثة بمفاهيم مثل Interdisciplinary Studies وTransdisciplinary Research والتي تعكس انتقالاً من تقسيم المعرفة إلى تكاملها في سياق معالجة القضايا المركبة .

فالواقع المعاصر يفرض نفسه بوضوح إذ إن التحديات الكبرى مثل التغير المناخي، والتحول الرقمي، والأمن الصحي، لم تعد قضايا يمكن احتواؤها داخل قسم أكاديمي واحد، بل تتطلب نماذج معرفية مرنة مختلفة قادرة على الربط بين العلوم والهندسة والاقتصاد والعلوم الاجتماعية.
ومن هنا، يصبح من المشروع إعادة النظر في السؤال الجوهري: هل ينبغي أن تبقى التخصصات هي الوحدة الأساسية لتنظيم الجامعة، أم أن الوقت قد حان للانتقال إلى نموذج مختلف تُبنى فيه الجامعة حول القضايا والتحديات؟

وعند النظر إلى التجارب الدولية الرائدة، نجد أن عدداً من الجامعات العريقة بدأ بالفعل في إعادة تشكيل هياكله المؤسسية بما يتجاوز التقسيمات التقليدية. فعلى سبيل المثال، طورت جامعة ولاية أريزونا نموذجا مؤسسياً يُصنف ضمن -الجامعة المنصة – حيث أُنشئت كيانات أكاديمية موجهة نحو قضايا عالمية مثل الاستدامة والمستقبل، بدل الاقتصار على الكليات المنفصلة..

كما أن جامعات مثل جامعة هارفارد وجامعة ستانفورد تبنت منذ سنوات مراكز ومعاهد بحثية عابرة للتخصصات تُعنى بالقضايا الكبرى، مع الإبقاء على عمق التخصصات التقليدية، وهو ما يعكس توجهاً نحو نموذج هجين يجمع بين الأصالة والمرونة.

ومن منظور إستراتيجي، فإن هذا التحول لا يعني إلغاء التخصصات، بل إعادة تمركزها ضمن إطار أوسع. فالتخصص سيظل ضرورياً لإنتاج المعرفة العميقة، لكنه لن يكون كافياً بمفرده. وعليه، فإن الجامعات مطالبة بتبني نماذج تنظيمية مزدوجة تجمع بين:
• عمق تخصصي راسخ يضمن جودة المعرفة.
• مرونة بينية تتيح التكامل بين التخصصات في معالجة القضايا.

وفي هذا السياق، تبرز بعض المنطمات المهتمة بالتعليم تدعو إلى إعادة تصميم التعليم حول الكفاءات والمهارات المستقبلية، بدل الاقتصار على التخصصات التقليدية. كما تتناغم هذه الرؤية مع التوجهات الوطنية الطموحة مثل رؤية السعودية 2030، التي تؤكد على بناء اقتصاد معرفي قائم على الابتكار، وربط مخرجات التعليم باحتياجات المستقبل.

وعليه، فإن الجامعات في المستقبل إذا أرادت أن تحافظ على دورها فإنها مطالبة بإعادة تعريف ذاتها وفق عدد من المرتكزات الإستراتيجية، من أبرزها:
•التحول من مؤسسات تعليم إلى “منصات لإنتاج الحلول”.

– تصميم كليات أو وحدات أكاديمية قائمة على القضايا (مثل الطاقة، والاستدامة، والإنسان، والمستقبل).
• تبني نماذج تعليم قائمة على المشروعات والتحديات الواقعية (Challenge-Based Learning).
• تعزيز التكامل بين البحث العلمي واحتياجات المجتمع والاقتصاد.
• تطوير مهارات التفكير النقدي، والعمل التعاوني، والقدرة على التعلم المستمر.

كما أن صعود تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي يفرض على الجامعات إعادة التفكير في طبيعة المعرفة التي تقدمها، حيث لم يعد التميز في حفظ المعلومات كافياً ، بل في القدرة على تحليلها وتوظيفها في سياقات متعددة.

في الختام، يمكن القول إن النقاش الذي أثاره بعض الكتاب في منصة “X” وغيرها لا يتعلق فقط بشكل الكليات، بل بمستقبل الجامعة ككل. فالمعادلة لم تعد بين “التخصص” و”القضية”، بل في كيفية بناء نموذج ذكي يجمع بينهما. إن الجامعات التي ستنجح في المستقبل هي تلك التي تدرك أن دورها لم يعد نقل المعرفة فحسب، بل إعادة ترتيبها وتوجيهها نحو خدمة الإنسان ومعالجة تحدياته. وبين المحافظة على العمق الأكاديمي والانفتاح على تعقيد العالم الحالي هو الذي يحدد موقع الجامعة في خارطة المستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى