منوعات

الاستثمار الاجتماعي.. نحو “منصة وطنية لقياس الأثر”!

عبد القادر عوض رضوان *

اطلعت على عدد من المقالات التي تتناول الاستثمار الاجتماعي كنهج تحويلي لمواءمة العوائد المالية مع الأهداف الاجتماعية والبيئية، والذي يبرز من خلاله حجم النماء الذي يتخطى حاجز الأرباح، ليثري مسارات التنمية بكافة أشكالها.
لقد قادت رؤية المملكة 2030 من خلال برامجها العشرة مسيرة التحول التنموي بالمملكة، وفق خارطة طريق تحدد مسارات التنمية، وتقدم حلولاً للعديد من القضايا من خلال الاستفادة من الحراك الاقتصادي لإثراء البُعدين الاجتماعي والبيئي، بعد أن حددت أجندة تطويرية -اقتصادية واجتماعية- طموحة ذات أولويات وطنية واضحة.
وفي الوقت الذي تسعى الاستثمارات الاجتماعية داخل المملكة الى ترسيخ قيم الاعتدال والتسامح وتعزيز الهوية الوطنية، فإنها تركز على المشاريع التي تحقق فوائد مزدوجة، من خلال العوائد المالية ذات الأثر الإيجابي الاجتماعي والبيئي، لذا أولت الاستراتيجيات التنموية في المملكة القطاعات الواعدة كالتعليم والرياضة والثقافة والسياحة، والتنمية الحضرية، والتحول الرقمي، والقطاع غير الربحي، عناية خاصة لدعم التنويع الاقتصادي وتحقيق الأثر الاجتماعي والبيئي، في ظل التحولات الاقتصادية التي تستهدف تعزيز التنمية المستدامة من خلال إطار شامل يتماشى مع الأولويات الوطنية لمجتمع حيوي واقتصاد مزدهر.
وهذا يقودنا إلى إبراز دور صندوق التنمية الوطني الذي يعتبر أحد المحركات الرئيسة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية باعتباره عنصراً أساسياً في الاستراتيجية الوطنية للنمو الذي يدعم مجتمعاً مزدهراً وحيوياً يعزز الابتكار وريادة الأعمال، لذا فإن الصندوق في ظل رؤية المملكة 2030 يقود منظومة من الجهود التي تعزز نمو الاستثمار في قطاعات مثل التعليم والعقار والصحة والتقنية وريادة الأعمال.
إن توجيه رأس المال نحو قطاعات حيوية يؤكد أن الاستثمار الاجتماعي لا يعزز فقط البنية التحتية بل يدعم أيضاً القطاع غير الربحي ويقلل معدلات البطالة ويدفع عجلة التنمية الاجتماعية طويلة الأمد، من خلال خلق الوظائف وتحسين جودة الحياة وإثراء التنمية الحضرية، وتحقيق المزيد من النمو والازدهار.
ورغم ذلك فإن الاستثمار الاجتماعي بقدر ما يكون واعداً إلّا أنه يفرض تحديات عديدة خاصة في تحديد وقياس الأثر بسبب طبيعته المتنوعة التي تتباين الاهتمامات بها بين القطاعات المختلفة، الى جانب صعوبة التزام جميع المنظمات بمعايير ثابتة، فما يصلح من معايير في منظمة قد لا يصلح في منظمة أخرى..
يضاف إلى ذلك كله قصور المعرفة بأدوات القياس في بعض المنظمات، الأمر الذي يستدعي اعتمادها على شركات متخصصة قد يقدم بعضها نتائج غير دقيقة أو أرقاماً مبالغاً فيها لقيمة الأثر التي تُحدَّد غالباً وفق منهجية (العائد على الاستثمار الاجتماعي) SROI، إلى جانب إغفال بعضها أهمية إبراز مؤشرات الأثر -وفق دراسات دقيقة واستطلاعات متنوعة- واقتصار تركيزها فقط على قيمته المالية، بينما يشمل الأثر الاجتماعي الكثير من المميزات النوعية ذات القيمة المضافة، من قبيل: “تحسين جودة الحياة، تراجع معدلات الفقر، تعزيز الاستقرار الأسري، تراجع السلوكيات السلبية، تعزيز الصحة العامة، الارتقاء بأنماط المعيشة ومستويات الرفاه الاجتماعي، الخ)، وهي نتائج لها (مؤشرات) تحتاج الى متابعة دقيقة تبدأ بوضع خط أساس لكل واحدة منها ومتابعتها على المدى المنظور والمَديين المتوسط والبعيد..
وهذا يُنادي بضرورة تصنيف المعايير والمنهجيات وتحديد الأنماط المؤسسية التي تنضوي تحت كل معيار أو منهجية.. حتى تكون النتائج أكثر دقة ومصداقية.
ولعلي أقترح هنا أن يُصار الى إطلاق (منصة وطنية لقياس الأثر) تحت إشراف المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، يتم من خلالها تحديد منهجية تلتزم بها جميع منظمات القطاع غير الربحي التي ترغب في قياس أثر مشاريعها ومبادراتها المجتمعية، بما يقود الى نتائج عادلة تلامس الواقع..
وقد نعود الى تفاصيل هذا الموضوع في مقالات قادمة.

*المستشار الإعلامي لجمعية البر بجدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى