مقالات و رأي

‏الهوية الحقيقية والمتناقضات

د. شاكر محجوب ـ ‎@shaker_mahjoub

يولد الإنسان وفي جعبته الضوء والعتمة، يحمل بين جوانحه قلباً يفيض بالرحمة في حين، ويضيق بالقسوة في حين آخر، ليكون بذلك لوحةً من التناقضات التي لا تنتهي. إن محاولة البحث عن كائن مثالي يسير فوق الأرض دون شائبة هي محاولة لليّ عنق الحقيقة، فالمثالية المطلقة ليست إلا سراباً يطارده الواهمون، بينما الحقيقة تكمن في تلك الشروخ والندوب التي تشكل هويتنا الحقيقية.

إن جوهر الكيان البشري يكمن في ذلك المزيج المدهش من الأضداد؛ فلا وجود لمثاليةٍ مطلقة أو نقاءٍ خالٍ من الشوائب، ومن ينشد الكمال في البشر إنما يطارد سراباً. نحن حصيلةُ تجاور الضعف مع القوة، والزلل مع الاستقامة، وهذه التناقضات هي هويتنا الحقيقية التي تميزنا عن الآلات الصماء. لذا، فإن التصالح مع نواقصنا والاعتراف بعيوبنا هو الجسر الوحيد للسلام النفسي، والسبيل لفهم الآخرين بعيداً عن وهم التوقعات الخارقة.

نحن مزيج غريب من الشجاعة التي يغلفها الخوف، واليقين الذي يزاحمه الشك، نخطئ ونتعثر ثم ننهض لنحاول من جديد، وهذا التذبذب بين الخطأ والصواب هو ما يمنح الحياة معناها وتجاعيدها الصادقة. إن العيب فينا ليس ثقباً في الروح، بل هو النافذة التي يعبر منها النور والدروس، ومن يعتقد أن النقاء البشري صفحة بيضاء لم يدرك بعد أن الجمال الحقيقي يكمن في تلك الألوان المتداخلة والمتصارعة التي تجعل منا بشراً لا آلات صماء. فسلامٌ على أنفسنا بكل ما فيها من فوضى وترتيب، وسلامٌ على قبولنا لضعفنا الذي هو في جوهره منبع قوتنا وتفردنا في هذا الوجود.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى