سؤال طفل أطلق جرس الخطر

عمرو عادل بسيوني – http://@aabasuony
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
قبل مدة قرأت كتابًا عن أهمية التربية الإعلامية، وكان من الكتب التي لا تنتهي عند آخر صفحة، بل تبدأ بعدها أسئلة كثيرة ، فقد أدركت منذ صفحاته الأولى أن بعض الكتب لا تمنحك معلومات فقط، بل تمنحك نظرة جديدة إلى العالم من حولك. فقط جعلني أتأمل الفرق بين زمن الأمس وزمن اليوم. ففي الأجيال السابقة كانت المعلومة تصل بهدوء، عبر كتاب، أو معلم، أو صحيفة، أو حديث داخل الأسرة، وكانت تمر غالبًا بمساحة من التثبت والتفكير قبل أن تستقر في الأذهان.
أما اليوم، فقد تغيّر كل شيء. فنحن نعيش زمنًا تتدفق فيه المعلومات بلا توقف، وتصل الرسائل والمقاطع والآراء إلى الناس في كل لحظة، حتى أصبح الهاتف الصغير بابًا مفتوحًا على العالم كله، فلم تعد المشكلة في قلة المعرفة، بل في كثرتها، وفي اختلاط الصادق بالمُضلل، والنافع بالمشوش، والحقيقة بما يشبهها ، وبين هذا كله يقف كثيرون حائرين، لا يعرفون ماذا يصدقون، ولا كيف يفرزون ما يصل إليهم. ولعل الأخطر من ذلك أن بعض الأكاذيب تصل اليوم أسرع من الحقائق، وتُقدَّم بثوب جذاب يجعلها أكثر قابلية للتصديق.
عندها فهمت أن التربية الإعلامية ليست ترفًا فكريًا ولا مادة جانبية، بل ضرورة تحمي العقل، وتمنح الإنسان القدرة على السؤال، والتمييز، وعدم الانقياد لكل ما يقال.لكن أكثر ما كشف لي خطورة الأمر لم يكن ما قرأته في كتاب، بل موقف عائلي بسيط ما زال حاضرًا في ذهني، حيث كنت أجلس مع طفل من أقاربي، عمره لا يتعدى العشر سنوات، ونتحدث حديثًا عاديًا، ثم فاجأني بسؤال قاله بكل براءة: لماذا كثير من المسلمين يريدون ترك الإسلام؟ للحظة ، شعرت أن شيئًا انقبض داخلي. نظرت إلى وجه صغير يسأل بصدق، بينما كانت داخلي أسئلة أكبر من سؤاله.
كيف وصل هذا الكلام إلى ذهن طفل في هذا العمر؟ ومن سبقنا إليه؟ ومن الذي وضع الحيرة في عقل كان الأولى أن يُملأ فهمًا وطمأنينة؟ سألته بهدوء: من أين سمعت هذا الكلام؟ فقال ببساطة: شاهدت أكثر من خمسة فيديوهات. عندها شعرت بمرارة لا توصف. خمسة مقاطع فقط كانت كافية لتفتح بابًا من الشك في عقل طفل. حاولت أن أجيبه بهدوء، وأن أوضح له أن كثرة الكلام لا تعني صحته، وأن من يتحدث بثقة ليس دائمًا صاحب علم، لكن الذي بقي في داخلي هو شعور موجع بأننا نتأخر كثيرًا، وأن أبناءنا يواجهون عالماً كاملاً ونحن نظن أنهم ما زالوا صغارًا.
والأمر الذي زاد قناعتي أنني أعرف هذا الطفل جيدًا، وأعرف أسرته عن قرب؛ أسرة واعية، حاضرة، شديدة الحرص عليه، ومتابعة لكل تفاصيله ؛ الأمر الذي وضح لي أن القضية أكبر من مجرد انتباه الأسرة أو مضاعفة الرقابة، لأننا مهما اجتهدنا لن نستطيع أن نعزل أبناءنا عن هذا السيل الجارف من المعلومات الذي يطرق أبوابهم كل يوم ، وكان المؤلم أكثر أن السؤال لم يخرج من عقل مشاغب، بل من براءة تبحث عن جواب.
ومنذ تلك اللحظة أدركت أن القضية لا تخص الأطفال وحدهم، بل تشمل أيضًا كثيرًا من الشباب قليلي الخبرة والتجربة، ممن يدخلون هذا العالم الرقمي باندفاع وحسن نية، فيجدون من يضللهم، أو يستغل حماسهم، أو يبيع لهم أفكارًا مغلوطة في صورة جذابة. لذلك لم يعد مقبولًا أن تبقى “التربية الإعلامية” حبيسة الكتب أو الندوات. فنحن بحاجة إليها في المدارس، وفي الجامعات، وفي المناهج، وفي الإعلام، وفي البيوت، وفي كل مكان يصل إلى الناس. نحتاج إلى برامج توعوية مستمرة، ومحتوى موثوق يخاطب الجيل بلغته، وتأهيل للمعلمين والآباء، ومساحات حوار يجد فيها الأبناء إجابات صادقة قبل أن يأخذوا أجوبتهم من الغرباء. نحتاج أن نعلّم أبناءنا كيف يفرقون بين الحقيقة والزيف، وبين صاحب المعرفة وصاحب التأثير، وبين السؤال الطبيعي والشبهة المصنوعة. لأن الخطر الحقيقي ليس في شاشة بين أيديهم، بل في عقل يتشكل بدون وعي. فمعارك المستقبل لن تُحسم بالسلاح وحده، بل بما يُزرع في العقول وما يُنتزع منها. وإذا خسرنا معركة وعي أبنائنا اليوم، فبأي شيء سنفخر غدًا إذا كبروا بأعمار كاملة وعقول ناقصة؟



